قد تكون الطائرات المسيّرة مفيدةً في اللحظات الأولى بعد الزلازل أو الكوارث، حين تحتاج فرق الإنقاذ إلى خريطة سريعة لمبنى منهار أو منطقة يصعب دخولها. لكن تشغيل روبوت طائر داخل بيئة غير معروفة ليس مهمة بسيطة، إذ عليه أن يصل إلى هدفه بسرعة،

ويتجنب العوائق المفاجئة، ويحافظ على مسار سلس لا يستهلك طاقةً أو يعرضه للاصطدام.نظام جديد لتخطيط المسارطور باحثون نظاماً جديداً لتخطيط مسار الروبوتات يحمل اسم «مايتي (MIGHTY)». الفكرة الأساسية هي تمكين الطائرة المسيّرة من تعديل مسارها خلال أجزاء قليلة من الثانية عند ظهور عوائق، من دون أن تفقد اتجاهها نحو الهدف أو تضطر إلى حركات حادة وغير مستقرة.النظام مُصمَّم ليعمل في الزمن الفعلي باستخدام الحاسوب والحساسات الموجودة على الروبوت نفسه.

وهذا مهم لأن الروبوت قد يعمل في بيئة بعيدة عن محطة تحكم أو شبكة اتصال مستقرة، كما في عمليات البحث والإنقاذ أو التفتيش الصناعي داخل منشآت معقدة.التحدي في تخطيط المسارتخطيط المسار هو البرنامج الذي يقرر كيف ينتقل الروبوت من نقطة إلى أخرى بأمان. تبدو المهمة بسيطة على الورق، لكنها تصبح شديدة التعقيد عندما تتحرك الطائرة داخل مكان مليء بالعوائق أو عندما تظهر عقبات لم تكن موجودة في الخريطة الأولية.كثير من الأنظمة الحالية تواجه مفاضلة واضحة: بعض الحلول التجارية تستطيع توليد مسارات سلسة وسريعة لكنها مكلفة وقد تعتمد على برمجيات مغلقة،

أما البدائل مفتوحة المصدر فقد تكون أقل أداءً أو أصعب في الاستخدام. لذلك حاول الباحثون بناء نظام مفتوح المصدر يقدم جودة قريبة من الأنظمة المتقدمة مع قدرة على العمل مباشرة على الروبوت.يقول الباحث الرئيسي إن النظام يحقق أداءً مماثلاً أو أفضل باستخدام أدوات مفتوحة المصدر فقط، ما يتيح للباحثين والطلاب والشركات استخدامه بحرية، ويرى أن إزالة حاجز التكلفة يمكن أن توسع دائرة الجهات القادرة على تطوير أنظمة تخطيط حركة عالية الأداء.المشكلة في الوقت الثابتتعتمد بعض أنظمة التخطيط على خطوة أولى تحدد الزمن المتوقع للوصول من نقطة البداية إلى الهدف،

ثم تبحث عن أفضل مسار ضمن هذا الزمن الثابت. هذه الطريقة تسهل الحساب لكنها قد تخلق مشكلة عملية: إذا احتاجت الطائرة إلى الالتفاف حول عائق كبير، فقد تُجبر على زيادة سرعتها بشدة كي تصل في الوقت المحدد، مما يجعل تجنب العقبات أصعب.فالروبوت لا يحتاج فقط إلى مسار قصير،

بل إلى مسار قابل للتنفيذ فعلياً يأخذ في الاعتبار السرعة والتسارع وزمن الوصول.طريقة رياضية مختلفةيعالج النظام الجديد هذه المشكلة عبر استخدام تقنية رياضية تُسمى «Hermite spline». بدلاً من حساب المسار أولاً ثم محاولة ملاءمته مع زمن ثابت، يعمل النظام على تحسين المسار والزمن معاً في خطوة واحدة. الهدف هو الوصول إلى مسار سلس وقابل للتحكم مع تقليل زمن الرحلة من دون التضحية بالأمان.لحل التعقيد الحسابي،

لا يبدأ النظام من الصفر في كل مرة. بدلاً من ذلك، ينشئ تخميناً أولياً لمسار مناسب ثم يحسنه تدريجياً عبر عملية تكرارية، مستفيداً من خريطة للمشهد تبنيها حساسات الليدار على الطائرة،

مما يسمح له بالاستجابة للعوائق الجديدة بسرعة مع الحفاظ على مسار أكثر سلاسة.نتائج أسرع من الطرق الحاليةفي الاختبارات المحاكاة، احتاج النظام إلى نحو 90 في المائة فقط من وقت الحوسبة الذي تتطلبه طرق متقدمة أخرى، بينما وصل إلى الهدف بأمان وبسرعة أعلى بنحو 15 في المائة. وفي الاختبارات على روبوتات حقيقية،

وصلت الطائرة إلى سرعة 6.7 متر في الثانية مع تجنب جميع العوائق التي ظهرت في مسارها.هذه الأرقام توضح أن النظام لا يكتفي بتحسين نظري في المختبر: فالتخطيط السريع لا يكون مفيداً إذا أنتج مسارات غير واقعية، والمسار الآمن لا يكفي إذا كان بطيئاً جداً في بيئة طارئة. القيمة هنا في الجمع بين السرعة والسلامة وقابلية التنفيذ على أجهزة الروبوت نفسه.تطبيقات خارج المختبررغم أن المثال الأبرز يتعلق بالطائرات المسيّرة في عمليات البحث والإنقاذ، فإن الاستخدامات المحتملة أوسع.

يمكن للنظام أن يساعد على توصيل الطرود داخل المدن حيث تحتاج الطائرات إلى تفادي المباني والأسلاك والأشخاص والعوائق المتحركة، كما يمكن استخدامه في تفتيش المنشآت الصناعية المعقدة مثل توربينات الرياح أو الهياكل التي يصعب وصول الإنسان إليها.في هذه الحالات لا يكفي أن يعرف الروبوت وجهته، بل عليه التعامل مع بيئة قد تتغير باستمرار وتعديل مساره بسرعة من دون الاعتماد على حاسوب خارجي أو برنامج مكلف. لذلك تبدو ميزة المصدر المفتوح مهمة،

لأنها قد تسمح بتبني النظام في مختبرات وشركات ومؤسسات لا تملك ميزانيات كبيرة للبرمجيات التجارية.دافع إنساني وراء البحثيرتبط العمل أيضاً بدافع شخصي لدى أحد الباحثين الذي كان طفلاً عندما وقع حادث محطة فوكوشيما دايتشي النووية بعد زلزال شرق اليابان الكبير. تابع حينها الأخبار عن العمال الذين اضطروا إلى دخول مناطق خطرة لتقييم الوضع واحتواء الأضرار، وجعلته تلك التجربة مهتماً بتطوير روبوتات مستقلة تستطيع دخول البيئات الديناميكية والخطرة ثم العودة بالمعلومات بينما يبقى البشر بعيداً عن الخطر.هذا البعد يوضح سبب التركيز على الروبوتات القادرة على العمل في ظروف غير مثالية، فالتطبيقات الأكثر حساسية مثل الكوارث أو البيئات الصناعية الخطرة لا تسمح غالباً بالاعتماد على إعدادات مخبرية منظمة أو اتصالات مستقرة أو تدخل بشري مستمر.نحو روبوتات متعددةلا يزال النظام في مرحلة بحثية رغم النتائج الواعدة،

ويخطط الباحثون لتحسينه بحيث يمكن استخدامه للتحكم في روبوتات عدة في الوقت نفسه، مع إجراء مزيد من تجارب الطيران في بيئات أصعب. كما يأمل الفريق في تطوير النظام المفتوح المصدر بناءً على ملاحظات المستخدمين.ويرى خبير في الروبوتات من جامعة زيوريخ - لم يشارك في البحث - أن النظام يقدم مساهمة مهمة في الملاحة الرشيقة للروبوتات، لأنه يعيد النظر في طريقة تمثيل المسار نفسه،

وتحسين شكل المسار والتوقيت والسرعة والتسارع معاً تمنح الروبوتات حرية أكبر في حساب حركات سريعة وقابلة للتنفيذ داخل البيئات المزدحمة. التقنية الجديدة تساعد الطائرات المسيّرة على تعديل مسارها بسرعة عند ظهور عوائق مفاجئة (الجامعة) الاختبارات أظهرت قدرة الطائرات المسيّرة على تفادي العوائق بسرعة عالية باستخدام برمجيات مفتوحة المصدر (شاترستوك)