أصبحت التكنولوجيا جزءاً لا يتجزَّأ من حياتنا اليومية، من الساعات الذكية والهواتف المحمولة إلى الحواسيب المحمولة والأجهزة اللوحية. وحتى إذا حاولت الابتعاد عن هاتفك بوضعه داخل حقيبتك وضبطه على الوضع الصامت، فقد تجد نفسك مضطراً إلى استخدامه لدفع ثمن قهوتك،
أو إبراز تذاكر السفر، أو متابعة مؤشراتك الصحية. ورغم ما توفره التكنولوجيا من سهولة وراحة، فإنَّ حضورها المستمر في تفاصيل حياتنا يجعل وضع حدود لاستخدامها أمراً أكثر صعوبة.
وفي غياب هذه الحدود، قد يتحوَّل استخدامها إلى إفراط ينعكس سلباً على الإنتاجية وجودة النوم، ويزيد من الشعور بالقلق والعزلة الاجتماعية. وتوضِّح الدكتورة إيما ديردن،
الأستاذة في علم النفس التطبيقي، أن التكنولوجيا كثيراً ما تحظى بالإشادة لدورها في تسهيل الحياة، لكنها في الوقت نفسه جعلت حياتنا أكثر تعقيداً، وفقاً لموقع «إيفري داي هيلث».
وقد يكون الابتعاد عن الأجهزة لفترة من حين إلى آخر، فيما يُعرف بـ«التخلص من السموم الرقمية (Digital Detox)»، مفيداً، لكن الانقطاع التام عن العالم الرقمي ليس خياراً متاحاً دائماً،
في ظلِّ اعتمادنا المتزايد على هذه الأجهزة في حياتنا اليومية. ولحسن الحظ، تدعم الأبحاث مجموعة من الاستراتيجيات التي يمكن اتباعها لتقليل الوقت الذي نقضيه أمام الشاشات، من دون الحاجة إلى التخلي عن أجهزتنا تماماً.
1- تعرّف على تأثير استخدام التكنولوجيا في مشاعرك ينصح الطبيب النفسي إريك روبنز، الذي يعالج كثيراً من المرضى الذين يعانون من الإفراط في استخدام التكنولوجيا، بالبدء بتقييم العادات الرقمية الحالية. ويتمثَّل ذلك في مراقبة الأوقات التي تستخدم فيها أجهزتك،
والطريقة التي تستخدمها بها، والأسباب التي تدفعك إلى اللجوء إليها. ويؤكد روبنز أن هذه المعلومات تساعدك على فهم تأثير التكنولوجيا في صحتك النفسية. وإذا لاحظت أن تطبيقاً معيناً أو أداة تقنية تجعلك تشعر بالاستنزاف أو تشتت انتباهك،
فحاول تقليل استخدامها أو حذفها. فعلى سبيل المثال، إذا وجدت أنك تمضي وقتاً طويلاً في تصفح تطبيقات مثل «تيك توك» أو «إنستغرام»، وأن هذا الاستخدام يثير لديك القلق،
تقترح ديردن حذف هذه التطبيقات من هاتفك، والاكتفاء بالدخول إليها عبر جهاز الكمبيوتر. 2- حدد فترات زمنية لاستخدام الشاشات تشير الأبحاث إلى أن التصفح غير الواعي لوسائل التواصل الاجتماعي، أو ما يُعرف بـ«التصفح القهري للأخبار السلبية (Doomscrolling)»،
لأكثر من ساعتين يومياً، يرتبط بارتفاع مستويات القلق لدى المراهقين. كما توصَّلت دراسة أُجريت على شباب تتراوح أعمارهم بين 18 و29 عاماً إلى نتائج مماثلة. وقد يكون نوع المحتوى الذي تتعرَّض له جزءاً من المشكلة؛ إذ يمكن أن تصادف في أثناء التصفح أخباراً سلبية،
أو تجد نفسك تقارن حياتك بحياة الآخرين، ما يزيد من شعورك بالضيق ويؤثر سلباً في صحتك النفسية. وترى ديردن أن أفضل وسيلة لتجنب الإفراط في استخدام الشاشات تتمثَّل في تحديد أوقات واضحة لاستخدامها. ويمكن الاستفادة من إعدادات «مدة استخدام الجهاز (Screen Time)» في أجهزة «أبل»،
أو «الرفاهية الرقمية (Digital Wellbeing)» في أجهزة «أندرويد»، لتقييد استخدام التطبيقات وتخصيص فترات راحة يومية. وتوصي ديردن بالبدء في تحديد سقف زمني لا يتجاوز ساعتين يومياً. 3- أوقف الإشعارات قد يؤدي الانشغال المستمر بمتابعة تنبيهات الأخبار ورسائل البريد الإلكتروني والرسائل النصية والتحديثات الصحية وإشعارات وسائل التواصل الاجتماعي،
أو الرد عليها، إلى تشتيت انتباهك عن مهامك اليومية، وجعل إنجازها يستغرق وقتاً أطول. فقد أظهرت دراسة بارزة أنَّ الموظفين يحتاجون إلى نحو 25 دقيقة لاستعادة تركيزهم والعودة إلى المهمة التي كانوا يؤدونها بعد تعرُّضهم للمقاطعة.
وكشفت دراسة أخرى عن أن الموظفين الذين يتعرَّضون لمقاطعات متكرِّرة في أثناء العمل يعانون من مستويات أعلى بكثير من التوتر والإحباط، ويحتاجون إلى بذل جهد ذهني أكبر لإنجاز مهامهم، مقارنة بمَن يعملون من دون هذه المقاطعات. ولتقليل تأثير الإشعارات،
يمكنك كتم صوتها أو تخصيص أوقات محددة مسبقاً للاطلاع عليها، خصوصاً عندما تكون منشغلاً بمهمة تتطلب تركيزاً كاملاً. وتشير الأبحاث إلى أن الأشخاص الذين يتعرَّضون لمقاطعات أقل في أثناء العمل يشعرون بارتفاع إنتاجيتهم، كما تنخفض لديهم مستويات الانزعاج في نهاية اليوم.
4- الرد على دفعات يساعد تجميع الإشعارات ومراجعتها في أوقات محددة على تخفيف الضغط النفسي الناتج عن تدفقها المستمر. وتقترح ديردن تخصيص فترات معينة خلال اليوم لمراجعة رسائل البريد الإلكتروني الخاصة بالعمل، والرد على الرسائل النصية الشخصية، والاطلاع على إشعارات وسائل التواصل الاجتماعي،
بدلاً من التعامل مع كل إشعار فور وصوله. وتشير الأبحاث إلى أن تلقي الإشعارات على 3 دفعات يومياً قد يقلل من التوتر ويعزِّز الصحة العامة. ومن المهم أيضاً توضيح حدود تواصلك مع الآخرين، لا سيما في بيئة العمل.
فعلى سبيل المثال، يمكنك تحديث توقيع بريدك الإلكتروني أو نبذتك التعريفية على تطبيق «سلاك»، لتحديد الساعات التي تكون متاحاً خلالها للرد على الرسائل. 5- نظّم المحتوى الذي تتابعه على وسائل التواصل الاجتماعي صُمِّمت وسائل التواصل الاجتماعي بطريقة تحفِّز الدماغ بصورة مكثفة،
إذ توفِّر شعوراً فورياً وقصير الأمد بالإشباع، يدفع الدماغ إلى البحث عنه مراراً وتكراراً. ومع مرور الوقت، قد يؤدي هذا التحفيز المستمر إلى إرهاق الدماغ،
إذ يمكن أن يتسبب التصفح المفرط في صعوبة التركيز والشعور بالإجهاد الذهني، وهي حالة يُشار إليها أحياناً باسم «الإرهاق الرقمي». وتوضِّح ديردن أن إحدى الوسائل التي تساعد على التعامل مع هذا الإرهاق تتمثل في تنظيم المحتوى الذي تتابعه عبر وسائل التواصل الاجتماعي. ولتحقيق ذلك،
انتبه إلى المشاعر التي تثيرها لديك الحسابات المختلفة، وألغِ متابعة أي حساب يجعلك تشعر بالتوتر أو يدفعك إلى مقارنة نفسك بالآخرين. وقد تكون هذه المقارنات ضارة للغاية؛ إذ خلصت مراجعة منهجية للدراسات إلى أن الأشخاص الذين يستخدمون وسائل التواصل الاجتماعي بكثافة يميلون أكثر إلى مقارنة أنفسهم بالآخرين، ما قد يزيد من مخاوفهم المتعلقة بصورة أجسامهم،
ويرفع خطر ظهور أعراض اضطرابات الأكل. 6- استعد وقت فراغك بعيداً عن الشاشات إذا كنت معتاداً على الإمساك بهاتفك كلما حاولت الاسترخاء، أو في أثناء تناول الطعام، أو في فترات الانتظار،
فقد يكون الوقت قد حان لاستعادة لحظات فراغك بعيداً عن الأجهزة. فأوقات الفراغ، أو اللحظات التي لا ينشغل فيها العقل بأداء مهمة محددة، تنشّط شبكة من مناطق الدماغ يعتقد الباحثون أنها تساعد على تثبيت الذكريات وتعزيزها.
في المقابل، يرتبط الاستخدام القهري للتكنولوجيا باختلافات في طريقة عمل هذه الشبكة، ما قد يؤثر في القدرة على التركيز. وتوضِّح ديردن أن تصفُّح الهاتف لا يُعدُّ وقت فراغ حقيقياً،
لأن الدماغ يظلُّ منشغلاً باستقبال المعلومات. وتقترح تجربة ترك الأجهزة الإلكترونية على المكتب في أثناء استراحة الغداء، أو إبقاء الهاتف داخل الحقيبة خلال ركوب مترو الأنفاق أو الانتظار في طابور شراء قهوة الصباح. كما تنصح بالبحث عن أنشطة بسيطة لا تتطلب استخدام الشاشات،
لملء أوقات الفراغ خلال المساء. في عصر الشاشات... 6 عادات يومية لحماية صحة عينيك هل يُسبب الإفراط في استخدام الشاشات ضرراً لبشرتك؟ فرطُ استخدام الشاشات الإلكترونية يُعكّر مزاج الأطفال