ظهرت مجددًا أزمة تسريب وبيع مواد الإغاثة المخصصة للنازحين والمحتاجين في السودان، وسط اتهامات متزايدة بوجود شبكات فساد تستغل الأوضاع الإنسانية. تأتي هذه الأزمة في وقت يعيش فيه السودان أسوأ أزمة إنسانية في تاريخه الحديث، بسبب الصراع الدائر بين الجيش وقوات الدعم السريع لأكثر من ثلاثة أعوام.أقرت حكومة ولاية النيل الأبيض جنوب البلاد ببيع نحو 14 ألف شحنة من المساعدات الإنسانية،

شملت الدقيق والسكر، بغطاء سري. أثار ذلك موجة واسعة من الغضب، إذ إن هذه المساعدات مخصصة للمتضررين من الحرب،

وليس من حق أي جهة التصرف فيها. تداول ناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي المعلومات حول الحادثة على نطاق واسع، مشيرين إلى أن الكميات التي جرى التصرف فيها كانت ضمن مخزون مخصص لدعم الأسر النازحة في الولاية.تعيش مناطق من السودان أوضاعًا معيشية قاسية ونقصًا حادًا في المواد الإغاثية، مما يعكس تآكل منظومة الحماية الاجتماعية وهشاشة مؤسسات الدولة في ظل الحرب.

طالب ناشطون بفتح تحقيق عاجل للكشف عن الجهات المتورطة وكيفية التصرف في العائدات المالية من عملية البيع.شهادات من المتضررينمواطنة نازحة من شمال دارفور إلى ولاية النيل الأبيض، وتدعى مها عبد الرؤوف، قالت إن الانتهاكات البشعة التي طاولت سكان مدينة الفاشر عقب سقوطها بيد الدعم السريع كانت سببًا للهرب والنزوح. أضافت أنها كانت تستلم صناديق الإغاثة منذ بداية النزوح باستمرار،

لكنها تراجعت بشكل كبير، وحتى تلك التي توزع لا تكفي لأسرة مكونة من ثلاثة أفراد. لفتت إلى أن البلاد تتلقى كميات وافرة من المواد الإغاثية، لكنها تضل طريقها إلى المستحقين،

مؤكدة أن الأسر تعتمد عليها بشكل أساسي.أشارت النازحة إلى رؤية صناديق إغاثة تحمل شعارات الجهات المانحة في الأسواق، تكتظ بها المحال التجارية، مما دفعها لشراء بعض الحاجات الأساسية عندما يتوفر المال. وأعربت عن ألمها لرؤية أطفالها يتضورون جوعًا،

مما دفعها للبحث عن عمل لتوفير لقمة العيش.غياب التحقيقاتالناشط المجتمعي عادل خضر اعتبر أن تصرف حكومة ولاية النيل الأبيض في مواد الإغاثة وبيع آلاف الصناديق من السكر والدقيق هو تصرف غير مسؤول، خاصة مع تدفق أعداد متزايدة من الفارين من مناطق النزاع إلى الولاية. أشار إلى أن هذه السابقة ليست الأولى، فقد سبق أن شهدت مدينة بورتسودان تسريب مواد إغاثة للأسواق،

وتوجه أصابع الاتهام في كل حادثة إلى المسؤولين في الحكومة باستغلال المساعدات الإنسانية.أضاف خضر أن تسريب وبيع مواد الإغاثة وتحويلها إلى تجارة بدلاً من توزيعها على المستحقين مؤشر صارخ على غياب الحماية الاجتماعية وفوضى وفساد في مؤسسات الدولة. دعا إلى فتح تحقيق عاجل للكشف عن الجهات التي تتخذ هذه القرارات وتحديد وجهة العائدات المالية.انعدام الثقةالناشطة في مجال العمل الإنساني تبيان فتحي قالت إن أي تلاعب في مواد الإغاثة التي وصلت البلاد يهدد بانعدام الثقة في المنظومة الإنسانية بأكملها. لفتت إلى تزايد الحديث عن تسريب الإغاثة من خلال عطاءات أو طرحها في الأسواق مباشرة، مما يضاعف معاناة النازحين الذين يعيشون أوضاعًا اقتصادية معقدة.

أشارت إلى أن معظم النازحين يتناولون وجبة واحدة في اليوم فقط.ذكرت فتحي أنها ذهبت إلى سوق أم درمان لسؤال التجار عن مصدر البضائع التي تملأ الرفوف، لكنها لم تجد ردًا قاطعًا، مما يعكس حجم التلاعب والفساد من جهات نافذة. نبهت إلى أن التقارير الدولية حول التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي تؤكد حدوث مجاعة في البلاد،

وحاجة نحو 24 مليون شخص لمساعدات عاجلة. ورأت أن اتباع النزاهة في التوزيع كان سيمنع الجوع في السودان، داعية حكومات الولايات إلى الخروج من الصمت وعدم التبرير.شبكات مستفيدةتأتي هذه التطورات في وقت تواجه المنظمات الإنسانية تحديات كبيرة في إيصال المساعدات للأسر التي تعاني هشاشة اقتصادية بسبب الحرب المستمرة. المتطوع أمين عبد القادر،

الذي عمل في إحدى المنظمات الإنسانية، قال إن ما حدث في ولاية النيل الأبيض يخلق مخاوف من وجود شبكات تستفيد من الأزمة الإنسانية لتحقيق أرباح على حساب المدنيين. أوضح أن هذه التصرفات تعقد عمل المنظمات الدولية والدول المانحة في بلد يعيش أسوأ أزماته الإنسانية.أشار عبد القادر إلى أن ولاية النيل الأبيض تستقبل أعدادًا متزايدة من الفارين، وأن النازحين يعيشون واقعًا مزريًا بسبب بيع المساعدات الإنسانية،

مؤكدًا أن المواد الإغاثية يجب أن تكون خط نجاة لا سلعة في الأسواق.