لم يعد البيت لدى العديد من السودانيين مجرد مأوى، بل كان الحاضن الأول للذاكرة اليومية. مع اندلاع الحرب المستمرة منذ أكثر من ثلاثة أعوام بين الجيش وقوات الدعم السريع، وفقدان المنازل،
يحاول البعض ترميم هذه الذاكرة عبر الحكايات والتوثيق الرقمي، في صراع مستمر ضد النسيان وإعادة تثبيت الهوية والانتماء.تقول معلمة مدرسة من أم درمان: "لم أفقد بيتي بوصفه جدراناً وسقفاً فقط، بل فقدت المساحة التي كانت تحتفظ بتفاصيل حياتي. كل زاوية فيه حملت جزءاً مني،
منذ طفولتي وسنواتي التي عشتها بين أهلي. عند هروبنا مع اندلاع الحرب، لم أتمكن من أخذ أي شيء تقريباً، لا الصور ولا الدفاتر ولا الأشياء الصغيرة.
أدركت لاحقاً أنها لم تكن عادية أبداً". وتضيف: "أشعر الآن أن ذاكرتي أصبحت أضعف وأقل وضوحاً. المكان كان يساعدني في التذكر، يعيد ترتيب الذكريات ويربط بينها.
بدونه، أصبحت الذكريات متفرقة وضبابية، كأجزاء من قصة لا أستطيع جمعها". وتتابع: "أخاف أن أنسى أكثر،
وأخاف أن يأتي يوم لا أستطيع فيه تذكر التفاصيل. البيت لم يكن مجرد مكان أعيش فيه، بل كان مرجعاً لذاكرتي. بدونه،
فقدت جزءاً من نفسي".فقدان الدليلكانت الصور وسيلة لحفظ الزمن وتثبيت اللحظات، لكنها في سياق الحرب تتحول إلى دليل على الوجود نفسه. ومع فقدانها، يتزعزع الإحساس بواقعية الماضي.
يقول مصور فوتوغرافي: "فقدت أرشيفاً كاملاً من الصور. كانت لدي صور لأماكن وأشخاص لم يعودوا موجودين، والآن لا أملك سوى ذاكرتي، وهي لا تكفي دائماً.
أشعر أنني فقدت الدليل الوحيد على أن تلك اللحظات حدثت فعلاً".ويوضح متخصص في علم الاجتماع أن فقدان الصور لا يعد خسارة بصرية فقط، بل يمس بنية الذاكرة ذاتها، لأن الصور تعمل كمرجع مادي يعيد استحضار الماضي بدقة نسبية. عندما يفقد الإنسان هذا المرجع،
تصبح الذاكرة أكثر عرضة للتشوه أو النسيان، خصوصاً في ظروف الصدمة مثل الحروب. ويضيف أنه في الحالات الطبيعية، يعتمد الإنسان على الاستدعاء المدعوم،
أي أن الصور والأشياء المادية تساعد في تذكر التفاصيل. في غياب هذه الوسائط، يتحول التذكر إلى عملية داخلية انتقائية، قد تعاد صياغتها تحت تأثير المشاعر أو الصدمات.
وينتقل الشخص قسراً من ذاكرة موثقة بصرياً إلى ذاكرة شفاهية أو ذهنية، أقل استقراراً مع الوقت، مما يؤدي إلى فجوات في السرد الشخصي.ويرى المتخصص أن الأخطر هو أن فقدان الصور قد ينتج شعوراً بفقدان الدليل على الذات. فالصورة ليست مجرد توثيق للحظة،
بل تأكيد أن الشخص كان هناك. وعندما تضيع هذه الشواهد، قد يشعر الإنسان بأن جزءاً من تاريخه أصبح غير قابل للإثبات، حتى أمام نفسه.إعادة ترتيبمع تآكل الوسائط المادية للذاكرة،
يلجأ الأفراد إلى السرد الشفهي كأداة لإعادة بناء ما فقد، وهي عملية نفسية واجتماعية معقدة تحاول ترميم الانقطاع الذي أحدثته الحرب. يوضح باحث في علم الاجتماع أن السرد الشفهي في أزمنة النزاعات هو آلية دفاع نفسي واجتماعي. فعندما يفقد الإنسان المكان والصورة وكل ما يشكل مرجعاً مادياً لذاكرته،
يجد نفسه مضطراً إلى الاعتماد على اللغة كوسيط بديل. يحتاج الإنسان إلى قصة متماسكة عن نفسه، وتسلسل زمني يشعره بالاستمرارية. الحرب تقطع هذا التسلسل،
وتخلق فجوة بين ما كان وما هو كائن. يأتي السرد ليملأ هذه الفجوة، ليس بإعادة الماضي كما حدث، بل بإعادة صياغته بطريقة تجعل العيش ممكناً في الحاضر.ويشير الباحث إلى أن الذاكرة الشفهية ليست ثابتة؛ فهي تخضع لإعادة ترتيب وانتقاء عند كل رواية،
وقد تضاف إليها تفاصيل أو تحذف، أحياناً من دون وعي. هذا لا يعني أنها غير صحيحة، بل إنها حية ومتأثرة بالحالة النفسية والظروف المحيطة.
في سياق الصدمة، قد يميل الإنسان إلى تضخيم بعض اللحظات أو تلطيف أخرى كوسيلة للتكيف. ويضيف أن السرد يؤدي وظيفة جماعية أيضاً، إذ يجتمع الناس ويتبادلون القصص،
مما يعيد بناء إحساس مشترك بالعالم المفقود ويخفف الشعور بالعزلة. لكن هذه الذاكرة تظل عرضة للتآكل مع الزمن في غياب التوثيق، لذا فإن السرد الشفهي حل موقت يحتاج إلى دعم بوسائط أخرى.ذاكرة رقميةمع اتساع الفقد، أصبح التوثيق ضرورة يومية.
يلجأ كثير من السودانيين إلى الهواتف ووسائل التواصل الاجتماعي لتسجيل تفاصيل حياتهم، كأنهم يبنون ذاكرة جديدة في فضاء رقمي أكثر قابلية للحفظ والانتشار، لكنه لا يخلو من الهشاشة. تقول أستاذة علم الاجتماع إن ما نشهده هو انتقال تدريجي من الذاكرة المرتبطة بالمكان والأشياء إلى ذاكرة رقمية تعتمد على التخزين السحابي والمنصات الاجتماعية،
كاستجابة مباشرة لفقدان الوسائط التقليدية.وتضيف أن التوثيق الرقمي يمنح الأفراد شعوراً بالسيطرة، أو على الأقل إحساساً بأن بإمكانهم حفظ ما يحدث لحظة بلحظة. الصورة أو الفيديو المنشور لا يظل حبيس جهاز شخصي، بل يتحول إلى جزء من أرشيف أوسع يمكن مشاركته واستعادته،
مما ينتج نوعاً من الذاكرة الجماعية الرقمية. لكن هذا النمط يحمل مفارقة: فهو أكثر أماناً من الضياع المادي، لكنه أكثر عرضة لأشكال جديدة من الفقد، مثل حذف الحسابات أو فقدان كلمات المرور أو تعطل المنصات.
كما أن وفرة المحتوى قد تؤدي إلى تآكل القيمة، إذ تتراكم اللحظات من دون منح كل منها مساحة كافية للترسيخ في الوعي.وترى الأستاذة أن هناك بعداً آخر يتعلق بطبيعة هذا التوثيق: عندما يعرف الإنسان أنه يوثق للنشر، قد يعيد تشكيل اللحظة نفسها، فيختار ما يظهره وما يخفيه.
فلا تعكس الذاكرة الرقمية الواقع كما هو، بل تقدم نسخة منتقاة تخضع لاعتبارات اجتماعية ونفسية. ورغم هذه التحديات، يظل التوثيق الرقمي أداة حيوية في زمن الحرب،
يلعب دوراً في الشهادة والتاريخ، ونقل التجربة إلى العالم الخارجي. إنه محاولة معاصرة لمقاومة النسيان وإعادة تثبيت الوجود في عالم سريع الزوال.