تشهد العاصمة السودانية، بمدنها الثلاث الخرطوم وأم درمان وبحري، نشاطًا غير مألوف بعد عودة ملايين النازحين واللاجئين. يحاول السكان استعادة مساحات الفرح التي غيبتها الحرب على مدى ثلاثة أعوام،
عبر إحياء قيم التعايش من خلال الفن والرياضة.تتنوع الفعاليات بين المنتديات الأدبية والمنابر الشعرية ومجالس الغناء، إلى جانب تنظيم دورات رياضية في العديد من أحياء العاصمة داخل الملاعب الترابية. وتأتي دورة "كأس العودة" تحت شعار "بالرياضة يتعافى الوطن"، التي نظمتها ولاية الخرطوم بميدان الحرية في منطقة الديوم الشرقية،
بمشاركة أندية بارزة مثل القوز والبرنس والتعايشة والخرطوم الوطني والنيل، بالإضافة إلى العلمين والرميلة والديم وسط. استمرت الدورة أكثر من أسبوعين، وشهدت تنافسًا قويًا وحضورًا جماهيريًا كبيرًا من مختلف الأعمار،
حيث يتابع الجميع المباريات بحماس لنسيان المآسي والأزمات ولو مؤقتًا.دور الرياضة في الوحدة الوطنيةأكد وزير الشباب والرياضة السوداني أحمد آدم على أهمية هذه المبادرات في تمكين الشباب وتعزيز دور الرياضة كأداة للوحدة الوطنية، وجدد دعم الوزارة للأنشطة التي تسهم في تعافي المجتمع. وشدد على ضرورة محاربة خطاب الكراهية وتعزيز ثقافة التعايش السلمي، مشيرًا إلى أن الشباب يمثلون القوة الحقيقية لبناء مجتمع متماسك قائم على الاحترام والتنوع.
وأوضح أن أجواء الدورات الرياضية في العاصمة بعد عودة الملايين جسدت روح التماسك المجتمعي وأهمية الرياضة في دعم الاستقرار وإعادة النشاط الكروي.من جانبه، قال المواطن مجدي إسماعيل من منطقة الرميلة إن كثيرًا من سكان العاصمة يجدون شغفًا في حضور مباريات كرة القدم. وأشار إلى أن الاستقرار الأمني الذي أعقب تحرير الجيش السوداني للعاصمة ساهم في عودة السكان وتنظيم العديد من الدورات. وأضاف أن دورة "كأس العودة" حفزت الآلاف على التشجيع،
خصوصًا سكان مناطق الشجرة والقوز والرميلة والديوم وجبرة والصحافة وأركويت والأزهري. واعتبر أن كرة القدم منافسة تحاكي غريزة التباري بطريقة حضارية وصحية، وتحمل رسالة مختلفة عن الحرب والقتل والدمار. وأكد أن الحضور الجماهيري الكبير والتنافس الشريف والتصافي بين المشجعين يدل على حب الناس للسلام وكرههم للصراع المسلح.عودة الحياة إلى مراكز الفنونفي الوقت نفسه،
استعادت مراكز الفنون والمسارح في الخرطوم نشاطها الفني والثقافي عبر جلسات غنائية وعروض مسرحية تدعو للسلام ونبذ الحرب. وتشهد مراكز شباب السجانة وأم درمان وبحري، بالإضافة إلى نادي الخرطوم جنوب للموسيقى ونادي شباب الجريف، أنشطة فنية وثقافية يومية بحضور كبير من سكان الأحياء.أوضح الموسيقار الفاتح دياب أن هذه الأنشطة تمثل ملاذًا للباحثين عن تغيير الروتين اليومي،
خاصة في ظل الظروف الحالية، كما تتيح مشاركة الشباب الموهوبين في الغناء أو العزف. وأضاف أن الفعاليات اليومية تهدف إلى الترفيه عن السكان العائدين من النزوح واللجوء والتخفيف من الضغوط، مشيرًا إلى نجاح التجربة بإقبال يومي على مراكز الفنون.شهدت مسارح خضر بشير وشرق النيل والحاج يوسف والمسرح القومي عروضًا مسرحية تعزز التعايش السلمي وتمكين المرأة،
ضمن مشروع "مسرح البنات"، بالإضافة إلى ورش عمل لتعليم الشباب صناعة العرض المسرحي. قال هيثم سليمان من ضاحية المزاد في الخرطوم بحري إن عشرات الأسر وجدت في العروض المسرحية فرصة للخروج من الروتين اليومي والتلاقي مع الجيران بعد سنوات من النزوح. وأكد أن المسرح يخاطب الوجدان المشترك والحلم بإيقاف الحرب والعيش طبيعيًا،
داعيًا إلى الحوار الخلاق ونبذ خطاب الكراهية وتعزيز ثقافة السلام بين المجموعات متعددة الأعراق.دعم الصحة النفسيةرأت الاختصاصية النفسية والاجتماعية جواهر الفاضل أن الأنشطة الفنية والرياضية والمسرحية تشكل وسيلة مهمة لدعم الصحة النفسية وتعزيز التوازن العاطفي، خاصة في المجتمعات التي تعاني الأزمات. وذكرت أن هذه الأنشطة تمنح الناس مساحة للتعبير عن مشاعرهم واستعادة الإحساس بالحياة الطبيعية. وأوضحت أن الفنون كالموسيقى والرسم والمسرح تساعد في التعبير عن الأحاسيس المكبوتة والتعامل مع الصدمات،
بينما تحسن الرياضة المزاج وتقلل العزلة والاكتئاب. وأضافت أن حضور الفعاليات يسهم في إعادة بناء الروابط الاجتماعية وخلق بيئة متفائلة، خاصة للأطفال والشباب المحتاجين إلى مساحات آمنة لتجاوز آثار الحرب، مما يعزز التعافي النفسي وبناء الأمل.