لأعوام مثّلت الوظيفة الحكومية في السودان صورة للاستقرار، بما توفره من راتب منتظم ومسار مهني واضح ومكانة اجتماعية، لكن اندلاع الحرب في أبريل (نيسان) 2023، وما رافقه من نزوح وتعطل مؤسسات الدولة المختلفة وارتفاع كلف المعيشة،
أعاد اختبار هذا التصور. هذا الواقع دفع غالبية الشباب إلى سوق العمل الحر، وبخاصة مجال المشاريع الصغيرة والأعمال المرتبطة بالإنترنت كمصادر دخل بديلة أو موازية، إذ لم تعد الوظيفة الثابتة وحدها كافية لضمان المعيشة.
ذلك لا يعني أن الشباب تخلوا عن الوظيفة الحكومية بقدر ما تبدلت نظرتهم إلى الاستقرار نفسه: من راتب ثابت ومصدر دخل واحد، إلى القدرة على تنويع الدخل وامتلاك مهارة أو مشروع يمكن الاعتماد عليه في ظروف متغيرة. فكيف أعادت الحرب والأزمة الاقتصادية ترتيب أولويات الشباب السوداني في العمل؟ أمان قديم كانت الوظيفة الحكومية في السودان لأعوام كثيرة تعني أكثر من راتب شهري،
إذ ارتبطت بالاستقرار والمكانة الاجتماعية ومسار مهني يمكن توقعه حتى مع محدودية الدخل، لكن الحرب وضعت هذا التصور أمام واقع مختلف، فهناك مؤسسات توقفت أو انتقلت ورواتب تأخرت وموظفون اضطروا إلى النزوح، لتصبح الوظيفة التي كانت تمثل الأمان أقل قدرة على ضمانه.
الباحث في علم الاجتماع الاقتصادي سامر عبدالرحمن، يقول إن "الوظيفة الحكومية في السودان كانت تؤدي وظيفة اجتماعية تتجاوز مفهوم العمل، فقد كانت تمنح الفرد موقعاً مرموقاً داخل المجتمع، وتوفر للأسرة نوعاً من القدرة على التخطيط للمستقبل،
حتى عندما يكون الدخل محدوداً". يرى عبدالرحمن أن "الاستقرار هنا لا يعني بالضرورة أن الراتب كان مرتفعاً، فالموظف قد يقبل دخلاً أقل مقابل توقع استمرار الوظيفة ووضوح شروطها، وهذه المقايضة موجودة في مجتمعات كثيرة،
فالاستقرار يصبح جزءاً من قيمة الوظيفة". سودانيون يعزفون على آلات موسيقية تقليدية بمناسبة اليوم العالمي للاجئين، مخيم "أورا" بإثيوبيا، 20 يونيو 2026 (أ ف ب) وأضاف أن "الأزمات الطويلة تعيد تعريف هذه القيمة،
فإذا لم يعد الراتب منتظماً، أو أصبح غير قادر على تغطية الحاجات الأساسية، تبدأ الأسرة في تقييم الوظيفة بطريقة مختلفة، ويحدث التحول عادة بصورة تدرجية،
فقد يحتفظ الموظف بوظيفته الرسمية، لكنه يبدأ في نشاط إضافي، أو التجارة الصغيرة، أو تقديم خدمات مهنية خارج ساعات العمل.
ومع الوقت، يصبح الدخل من أكثر من مصدر جزءاً من الإستراتيجية الاقتصادية للأسرة". وزاد أن "انتشار العمل الحر لا يعني أن المجتمع فقد تقديره للوظيفة الحكومية، بل يعني أن الوظيفة أصبحت واحدة من الأدوات التي يمكن أن يستخدمها الفرد،
وليست بالضرورة الأداة الوحيدة لتأمين مستقبله، والحرب تؤثر في مفهوم المكان المرتبط بالوظيفة، ففي السابق كان انتقال الشخص إلى مدينة أخرى بحثاً عن وظيفة قراراً مهنياً، أما في ظروف النزوح فقد يجد نفسه مضطراً إلى الانتقال أولاً،
ثم البحث عن مصدر دخل ثانياً. وهذا يقلب العلاقة التقليدية بين الوظيفة والمكان". واختتم الباحث في علم الاجتماع حديثه قائلاً إن "الأجيال الأصغر سناً قد تكون أكثر استعداداً لقبول نماذج عمل مختلفة، لأنها دخلت سوق العمل في بيئة اقتصادية غير مستقرة أصلاً.
لذلك فإن ما كان يعد عملاً غير مضمون في السابق قد يصبح بالنسبة إلى بعض الشباب خياراً واقعياً مقارنة بوظيفة لا توفر دخلاً كافياً، لكن لا ينبغي افتراض أن هذا التحول نهائي. فإذا تحسنت ظروف الوظيفة الحكومية وأصبحت الرواتب منتظمة وارتفعت قدرتها الشرائية، فقد تستعيد جزءاً من جاذبيتها".
دخل متعدد لم يعد الحصول على وظيفة كافياً لبعض الشباب السودانيين لضمان تغطية نفقاتهم، مما دفعهم إلى البحث عن مصادر دخل إضافية، من التجارة عبر الإنترنت وتقديم الخدمات المهنية إلى المشاريع الصغيرة والعمل المستقل. ولم تبدأ هذه الأنشطة مع الحرب،
لكنها اكتسبت أهمية في ظل تراجع القدرة الشرائية وارتفاع كلف المعيشة. وبالنسبة إلى بعض الشباب، لم يعد العمل الحر بديلاً من الوظيفة بقدر ما أصبح مصدراً مكملاً للدخل، يخفف الاعتماد على راتب واحد.
ويقول المتخصص في سوق العمل عادل الرشيد، إن "التحول من الاعتماد على مصدر دخل واحد إلى مصادر عدة ليس ظاهرة سودانية فقط، لكنه يصبح أكثر وضوحاً في الاقتصادات التي تتعرض لصدمات متكررة". اقرأ المزيد يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field) ويتابع الرشيد أن "الموظف الذي يشعر بأن دخله الثابت لم يعد كافياً يكون أمام خيارات عدة،
منها البحث عن وظيفة أفضل أو العمل الإضافي أو إنشاء نشاط مستقل. وفي ظل محدودية قدرة سوق العمل على استيعاب الباحثين عن وظائف، يصبح العمل الحر خياراً متاحاً حتى إن لم يكن الخيار المفضل". ويبين أن "التكنولوجيا أتاحت فرصاً جديدة أمام الشباب،
إذ أصبح بإمكان أصحاب المهارات في مجالات مثل التصميم والكتابة والبرمجة والتسويق تقديم خدماتهم لعملاء خارج مدنهم، وربما خارج البلاد. لكن هذا النوع من العمل لا ينفصل عن واقع الاقتصاد، إذ يتطلب اتصالاً مستقراً بالإنترنت والكهرباء،
ووسائل فعالة لاستلام المدفوعات، إلى جانب مهارات التسويق وإدارة العملاء". وحذر الرشيد من "النظر إلى العمل الحر باعتباره حلاً مضموناً، فالموظف يعرف عادة حجم راتبه الشهري،
بينما قد يحقق المستقل دخلاً مرتفعاً في شهر، ولا يحصل على دخل كافٍ في شهر آخر. لذا العمل الحر يمنح مساحة أوسع لزيادة الدخل، لكنه ينقل جزءاً من الأخطار إلى العامل نفسه".
وأشار إلى أن "المهارات القابلة للاستخدام في أكثر من مكان قد تمنح الشباب قدرة أكبر على التكيف مع النزوح وتغير ظروف العمل، مقارنة بالوظائف المرتبطة بمؤسسة أو موقع جغرافي محدد. فالتحول لا يعني بالضرورة الانتقال من الوظيفة إلى المشروع الخاص، بل قد يتمثل في تقليل الاعتماد على جهة واحدة،
وتوظيف المهارات في أكثر من نشاط". وخلص المتخصص في سوق العمل إلى القول إن "استدامة هذا التحول تتطلب بيئة داعمة تشمل التدريب المهني، والخدمات المالية، ووسائل الدفع،
والحماية القانونية، والأسواق القادرة على استيعاب العاملين المستقلين وأصحاب المشاريع الصغيرة. ومن دون هذه المقومات قد يظل العمل الحر صورة أخرى من صور العمل غير المستقر، ولا يوفر بالضرورة دخلاً منتظماً أو قدرة على التخطيط للمستقبل".
مشروع صغير في الأسواق السودانية، يمكن أن يبدأ المشروع برأس مال محدود، من تجارة المنتجات وإعداد الطعام إلى الخياطة وبيع الملابس وخدمات التجميل والصيانة والنقل، وصولاً إلى الأنشطة التي تعتمد على وسائل التواصل الاجتماعي.
وبالنسبة إلى بعض الشباب، يبدو هذا المسار بديلاً من انتظار وظيفة قد لا تأتي، أو وسيلة لتكملة دخل لا يغطي حاجات المعيشة. يقول أيمن البنا،
صاحب مشروع أدوات إلكترونية بسوق أم درمان، إن "المشروع الصغير لا يمثل للشباب مجرد وسيلة للحصول على دخل، بل قد يمنحهم مساحة أكبر للتحكم في قراراتهم الاقتصادية. فصاحب المشروع يستطيع تعديل نشاطه أو تغيير المنتج والسوق المستهدف،
لكنه يتحمل في المقابل أخطاراً لا يتحملها الموظف بالدرجة نفسها". ويردف البنا أن "رأس المال يمثل أحد أبرز التحديات أمام الشباب الراغبين في بدء مشاريعهم، إذ قد تتوافر المهارة والفكرة من دون وجود تمويل كافٍ لتحويلهما إلى نشاط مستدام. وتزداد الصعوبة في ظروف الحرب مع ارتفاع الأخطار وتراجع فرص الحصول على التمويل".
ما كان يعد عملاً غير مضمون في السابق قد يصبح بالنسبة إلى بعض الشباب خياراً واقعياً (أ ف ب) واستطرد أن "نجاح المشروع لا يتوقف على قدرة صاحبه وحدها، بل يرتبط أيضاً بوجود سوق قادرة على استيعاب منتجاته وخدماته. فتراجع القوة الشرائية قد يقلل عدد العملاء، حتى عندما تكون جودة المنتج مناسبة،
فيما تؤثر كلف التشغيل والنقل وتوفير المدخلات في قدرة المشروع على الاستمرار". ويرى أن "الأسرة تؤدي دوراً مهماً في هذا النوع من الأنشطة، سواء من خلال توفير رأس المال الأولي أو المكان أو المشاركة في الإنتاج. وقد يحول ذلك المشروع من نشاط فردي إلى مصدر دخل عائلي،
لكنه قد يزيد الأعباء إذا اعتمد على عمل أفراد الأسرة من دون مقابل واضح، أو استنزف مدخراتها في نشاط غير مضمون النتائج". ولفت إلى "ضرورة التمييز بين من يبدأ مشروعاً استجابة لفرصة اقتصادية، ومن يلجأ إليه بعد فقدان وظيفته أو تعذر الحصول على عمل.
فالتجربتان تندرجان تحت مظلة العمل الحر، لكنهما تختلفان في دوافعهما والموارد المتاحة لهما والقدرة على تحمل الخسائر". ومضى في القول "لا يكفي انتشار المشاريع الصغيرة للقول إن الشباب السوداني أصبح أكثر ميلاً إلى ريادة الأعمال، إذ يتطلب فهم هذا التحول معرفة ما إذا كانت هذه المشاريع توفر دخلاً كافياً،
وما إذا كان أصحابها يرغبون في الاستمرار فيها، أم ينظرون إليها باعتبارها حلاً موقتاً إلى حين الحصول على وظيفة". حلم مختلف يدخل جيل جديد من السودانيين سوق العمل في ظل ظروف تختلف عن تلك التي عاشتها أجيال سابقة. فبالنسبة إلى بعض الشباب لم تعد الأولوية محصورة في الحصول على مكتب وراتب شهري،
بل امتدت إلى القدرة على العمل من أماكن مختلفة، أو تحقيق دخل بالعملة الأجنبية، أو بناء مشروع خاص، أو امتلاك مهارة تتيح فرصاً داخل السودان وخارجه.
الباحث في الموارد البشرية وجدي عبدالقادر، يقول إن "الحرب والأزمة الاقتصادية دفعتا الشباب إلى إعادة النظر في معنى الاستقرار المهني، فالوظيفة الثابتة لم تعد كافية وحدها إذا كان دخلها لا يغطي كلف المعيشة. فقد أصبح الشباب ينظرون إلى عناصر أخرى،
مثل القدرة على التطور المهني، ومرونة العمل، وإمكانية زيادة الدخل أو الانتقال إلى فرص أفضل". وأضاف عبدالقادر أن "هذا التحول لا يعني بالضرورة رفض الوظائف الرسمية،
بل قد يعكس تغيراً في توقعات الشباب منها. فالوظيفة التي توفر دخلاً مناسباً وبيئة عمل مستقرة وفرصاً للتقدم وحقوقاً واضحة تظل خياراً جاذباً، حتى في ظل اتساع الاهتمام بالعمل الحر". ونوه إلى أن "التكنولوجيا وانتشار قصص النجاح خارج المسارات التقليدية أسهما في جعل العمل المستقل والمشاريع الصغيرة أكثر حضوراً في تصورات الشباب عن مستقبلهم المهني.
غير أن المرونة التي يوفرها هذا النوع من العمل لا تعني بالضرورة تحقيق الأمان، فقد يفتقر العامل المستقل إلى التأمينات والإجازات المدفوعة والمعاش، وقد يتفاوت دخله من شهر إلى آخر". ويرى أن "أحد المسارات الممكنة في ظل هذه الظروف هو الجمع بين أكثر من نشاط،
مثل الاحتفاظ بوظيفة مع إدارة مشروع صغير، أو تقديم خدمات مستقلة إلى جانب عمل أساس. حيث يتيح هذا النموذج توزيع مصادر الدخل وتقليل الاعتماد على جهة واحدة، وإن كان يتطلب وقتاً وجهداً وقدرة على إدارة التزامات عدة".
وواصل "قد يعكس هذا التوجه تحولاً في السؤال الذي يطرحه الشباب على أنفسهم، فبدلاً من الاكتفاء بالتفكير في الوظيفة التي يمكن الحصول عليها، يصبح الاهتمام أيضاً بالمهارات والأنشطة التي يمكن الاعتماد عليها إذا تغيرت الظروف أو تعطل مصدر الدخل الأساس". وأكد الباحث في الموارد البشرية أن "مستقبل هذا التحول يظل مرتبطاً بمسار الاقتصاد وسوق العمل في السودان.
فتحسن أداء المؤسسات وانتظام الرواتب وتوافر الحقوق الوظيفية قد يعيد الوظائف الرسمية إلى موقع أكثر جاذبية، بينما قد يؤدي استمرار الأزمات إلى ترسيخ الاعتماد على العمل المرن وتعدد مصادر الدخل". وأضاف "لا يعكس تغير نظرة الشباب إلى الوظيفة بالضرورة ابتعاداً عن المؤسسات، بقدر ما يكشف عن محاولة للتكيف مع واقع اقتصادي مختلف،
إذ لم يعد الاستقرار الوظيفي وحده ضماناً للاستقرار المعيشي ما لم يكن الدخل كافياً والحقوق واضحة والقدرة على التخطيط للمستقبل ممكنة".