في سوق صابرين أحد الأسواق الشعبية في مدينة أم درمان ثاني مدن العاصمة السودانية المثلثة، لا يبدو المشهد كما كان قبل الحرب المندلعة بين الجيش وقوات "الدعم السريع" منذ منتصف أبريل (نيسان) 2023، إذ اختفت سلع، وظهرت أخرى،

وتغيرت الأولويات بالنسبة للمواطنين بصورة لافتة. في هذه السوق، يقف عبدالله حمدي وهو رب أسرة نازح، ممسكاً بقائمة قصيرة لا تشبه قوائم التسوق المعتادة،

يقول: "في الماضي كنا نشتري بالكماليات، الآن نبحث فقط عما يُبقي الحياة ممكنة". فبين أكياس الدقيق وعبوات الوقود الصغيرة، تتشكل ملامح اقتصاد جديد فرضته الحرب،

إذ لم يعد السوق مجرد مكان للبيع والشراء، بل مرآة يومية لتحولات المجتمع تحت الضغط. سلع أساسية في زمن الحرب، تتحول الأسواق إلى فضاءات تهيمن عليها الضرورات،

إذ تتراجع الكماليات لمصلحة السلع الأساسية مثل الغذاء والمياه والوقود. يقول المحلل الاقتصادي أحمد عبد الجليل إن "الحروب تعيد ترتيب هرم الاستهلاك بصورة جذرية، إذ تتجه الأسر إلى تقليص إنفاقها على كل ما هو غير ضروري، والتركيز على الحد الأدنى من البقاء"،

مضيفاً أن "السوق السودانية شهدت خلال الفترة الأخيرة ارتفاعاً ملحوظاً في الطلب على سلع مثل الدقيق والزيت والعدس والمواد القابلة للتخزين، نتيجة الخوف من انقطاع الإمدادات". وأشار عبد الجليل إلى أن "اختلال سلاسل التوريد بسبب القتال أدى إلى نقص حاد في بعض السلع، ما دفع الأسعار إلى الارتفاع بصورة غير مسبوقة.

كذلك فإن صعوبة النقل بين المدن أسهمت في تفاوت الأسعار من منطقة إلى أخرى، حيث تتضاعف قيمة السلعة نفسها في مناطق النزاع بالسودان". وتابع أن "هذا التحول لا يقتصر على نوعية السلع، بل يشمل أيضا أنماط الشراء،

إذ تميل الأسر إلى شراء كميات صغيرة بصورة متكررة بسبب محدودية السيولة. أيضاً برزت ظاهرة الشراء الجماعي بين الجيران لتقليل التكاليف". ورأى المحلل الاقتصادي أن "استمرار هذا النمط لفترة طويلة قد يؤدي إلى تغييرات دائمة في سلوك المستهلك السوداني، حتى بعد انتهاء الحرب،

خصوصاً في ما يتعلق بثقافة الادخار والاستهلاك الحذر". تميل الأسر السودانية إلى شراء كميات صغيرة بصورة متكررة بسبب محدودية السيولة (أ ف ب) سوق موازية مع تراجع الرقابة الرسمية، تنشط الأسواق الموازية كبديل غير منظم لتلبية حاجات الناس، لكنها غالباً ما تأتي بأسعار أعلى وأخطار أكبر.

يوضح الباحث في الاقتصاد غير الرسمي، محمد سليمان، أن "اقتصاد الحرب بطبيعته يغذي السوق السوداء، إذ تصبح السلع النادرة أكثر ربحية خارج القنوات الرسمية،

فكثير من السلع، مثل الوقود وغاز الطهي وحتى الأدوية، يجري تداولها عبر وسطاء بأسعار مضاعفة". وأردف سليمان أن "هذه الأسواق لا تخضع لأي معايير جودة أو تسعير في ظل غياب البدائل.

كذلك أن بعض التجار يلجأون إلى تخزين السلع لرفع أسعارها لاحقاً، وهي ممارسات تزيد من حدة الأزمة". واستطرد أن "السوق الموازية لا تنشأ فقط بسبب الجشع، بل نتيجة خلل هيكلي في الإمداد،

إذ تعجز السوق الرسمية عن تلبية الطلب. ومع ذلك، يحذر من أن توسع هذا النوع من الأسواق قد يضعف الاقتصاد الرسمي على المدى الطويل". ولفت إلى أن "معالجة هذه الظاهرة تتطلب تدخلاً مؤسسياً يعيد تنظيم سلاسل التوريد،

ويضمن وصول السلع الأساسية إلى المواطنين بأسعار معقولة، إضافة إلى تفعيل الرقابة على الأسواق قدر الإمكان". سلع طارئة تظهر في زمن الحرب سلع لم تكن ضمن قائمة الطلب اليومية، لكنها تصبح فجأة ضرورية،

مثل البطاريات والشموع وأجهزة الطاقة البديلة. يقول المتخصص في مجال الطاقة، خلف الله السماني، إن "انقطاع الكهرباء بصورة متكررة خلق طلباً غير مسبوق على مصادر الطاقة البديلة،

مثل الألواح الشمسية والبطاريات". ولفت إلى أن هذه السلع، التي كانت تعدّ كمالية في السابق، أصبحت الآن من أساسيات الحياة اليومية.

اقرأ المزيد يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field) وبين أن "أسعار هذه المنتجات شهدت ارتفاعاً كبيراً بسبب زيادة الطلب وصعوبة الاستيراد، ما جعلها بعيدة من متناول كثير من الأسر. كذلك فإن بعض المنتجات المتداولة في السوق تفتقر إلى الجودة، ما يؤدي إلى أعطال سريعة وخسائر إضافية للمستهلكين".

وواصل "هذا التحول يعكس قدرة السوق على التكيف مع الظروف، إذ يسعى التجار إلى توفير بدائل تناسب الواقع الجديد. أيضاً ظهرت مبادرات محلية لتصنيع حلول بسيطة للطاقة، مثل استخدام بطاريات السيارات لتشغيل الأجهزة المنزلية".

ومضى المتخصص في مجال الطاقة يقول "هذا الاتجاه قد يستمر حتى بعد الحرب، بخاصة إذا جرى الاستثمار في حلول الطاقة المستدامة، التي يمكن أن تشكل جزءاً من مستقبل البنية التحتية في السودان". قوة الشراء تأثرت القدرة الشرائية للمواطنين بصورة كبيرة نتيجة فقدان الدخل وارتفاع الأسعار،

ما انعكس على طبيعة الطلب في الأسواق. توضح الباحثة الاجتماعية، نجلاء حسن، أن "الحرب لا تغير فقط ما يُباع،

بل أيضاً من يستطيع الشراء، فهناك شريحة واسعة من السكان أصبحت تعتمد على المساعدات أو التحويلات من الخارج". وأضافت حسن أن "الفجوة بين الطبقات اتسعت، إذ لا يزال البعض قادراً على شراء السلع بأسعار مرتفعة،

بينما يعجز آخرون عن توفير حاجاتهم الأساسية. كذلك أن النساء، بخاصة في مناطق النزوح، أصبحن أكثر اندماجاً في أنشطة اقتصادية صغيرة لتأمين الدخل".

ونوهت إلى أن "هذا الواقع أدى إلى تغيرات اجتماعية ملحوظة، مثل تقليل عدد الوجبات اليومية، أو الاعتماد على بدائل أقل كلفة. كذلك ظهرت أنماط تضامن مجتمعي مثل تقاسم الغذاء بين الأسر".

وترى الباحثة الاجتماعية أن "استمرار تآكل القوة الشرائية قد يؤدي إلى تداعيات طويلة الأمد، تشمل تدهور الصحة العامة وزيادة معدلات الفقر. في حين أن أي استجابة اقتصادية يجب أن تأخذ في الاعتبار هذه التحولات، وأن تركز على دعم الفئات الأكثر هشاشة".