منذ الصباح الباكر ينزل الحاج حسين إلى منطقة خزان جبل أولياء على النيل الأبيض في الخرطوم، يسحب قاربه وينطلق في الرحلة الجماعية الشاقة رفقة عدد من الصيادين أصحاب المراكب الخشبية من أجل الظفر بنصيب من الأسماك لتأمين مصادر دخلهم، وسعياً إلى استعادة مهنة غيبتها الحرب قسراً خلال أكثر من ثلاثة أعوام. حسين الذي يعمل في المهنة منذ 22 عاماً،
انقطع عنها بسبب اندلاع الصراع المسلح في السودان، لكنه عاد إلى البحر من جديد لا ليبحث عن الأسماك وحدها، بل عن رزقه وذكرياته وإحساسه بأن الحياة بدأت تعود من جديد. استعاد صيادو الأسماك في السودان مساحة الصيد البحري والنهري وفضائه وأوقاته داخل العاصمة الخرطوم ومدن عدة في البلاد،
منها كوستي والجبلين وسنار وكذلك الروصيرص وخشم القربة، وشهدت أسواق الأسماك والمطاعم في مناطق الموردة بأم درمان وجبل أولياء في الخرطوم انتعاشاً ملحوظاً، وطلباً كبيراً، إذ أسهمت إلى حد كبير في اقتصاد قطاع الصيد داخل بلد ينعم بثروة سمكية ضخمة.
انتعاش وعودة يقول الصياد البحري السوداني الهادي مضوي إن "الصيادين يخوضون مغامرات شديدة التعقيد والخطورة صباحاً ومساء على امتداد نهر النيل من أم درمان إلى جبل أولياء، ويختارون البحر صديقاً ومتنفساً ويحصلون على الغلة الأكبر والأوسع للاستخدام الذاتي والتجارة من خلال رفد أسواق الأسماك في مدن العاصمة الثلاث بحري وأم درمان والخرطوم". وأضاف الصياد أن "الفترة الأخيرة شهدت انتعاشاً ملحوظاً لأسواق الأسماك في العاصمة بمدنها الثلاث، وكذلك عدد من الولايات،
فضلاً عن الطلب الكبير لمختلف الأنواع، إضافة إلى انتشار مطاعم الأسماك". وأوضح مضوي أن "الصيادين تعودوا على طبيعة البحر ولا يخافونه مهما كان الخطر، وأكثر ما يهدد صيد السمك هو العواصف والأمطار الغزيرة التي تعوق رحلة الصيد،
إضافة إلى الحيوانات المفترسة التي تعيش في البحر". تحسن الأوضاع من جانبه أشار الصياد مبارك جادين الذي يعمل في مدينة كوستي إلى أن "تحرير العاصمة الخرطوم من قبل الجيش السوداني أسهم في عودة النشاط على امتداد النيل الأبيض من كوستي والجبلين إلى العاصمة، وشعرنا وكأننا نستعيد جزءاً من حياتنا، وليس مجرد مصدر رزق،
إذ يمثل الصيد بالنسبة إلينا مهنة يتوارثها الأبناء عن الآباء والأجداد". رواج كبير في أسواق الأسماك (أ ف ب) ولفت مبارك جادين إلى أن "انتعاش الأسواق وحركة العاملين في قطاع صيد الأسماك أدى إلى تحسن الأوضاع الاقتصادية، إذ تجاوز المئات مرحلة التكيف الموقت إلى بناء حياة جديدة بالكامل بخاصة بعدما شكلت عودة النشاط نواة لاستقرار اقتصادي واجتماعي جديد لعشرات الأسر". ونوه جادين بأن "رحلات الصيد تختلف بين مجموعة وأخرى،
فهناك من يخرج ليلاً ليعود صباحاً محملاً بالصيد المحلي، في وقت يحبذ فيه آخرون الرحلات الطويلة، وعند العودة يستقبلهم تجار السمك ويتسابقون لامتلاك أكبر قدر من الأسماك ذات الأحجام والأنواع المختلفة". مجهودات وتحديات على الصعيد نفسه،
أوضح الصياد طارق موسى أن "الغالبية يعتمدون في هذه المهنة على جهودهم الخاصة في توفير الشباك والطعم الحي الذي يستخدم في عملية الصيد على رغم ظروف الحرب، إذ لا تقدم الحكومة الدعم للصيادين الذين يكافحون ظروفاً صعبة من أجل توفير حاجات أسرهم". وأردف موسى "يواجه الصيادون تحديات مستمرة تهدد مصادر رزقهم خصوصاً زيادة أسعار الوقود التي باتت تفوق العائد المتوقع من بيع الأسماك، مما أجبر المئات على تقليص عدد رحلاتهم اليومية بسبب عدم قدرتهم على تحمل كلف الوقود".
اقرأ المزيد يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field) وتابع الصياد "المواطن لا حيلة له فالدولة تفرض عليه الزيادات وتطلب منه تطبيقها على رغم علمها أن معظم المواطنين يعيشون تحت خط الفقر والجوع وباتوا غير قادرين على ترتيب أولويات المعيشة". حراك اقتصادي على نحو متصل، أكد الباحث الاقتصادي عصام صلاح أن "ملامح تعافي قطاع صيد الأسماك بدأت تظهر تدريجاً في العاصمة بمدنها الثلاث أم درمان وبحري والخرطوم بخاصة بعد عودة آلاف الصيادين للعمل، وكذلك انتعاش الأسواق والمطاعم في جبل أولياء بالخرطوم والموردة في أم درمان".
وأشار الباحث الاقتصادي إلى أن "أعمال صيادي الجمعيات الإنتاجية المهرة، عادت من جديد، وهي تضم أكثر من 100 ألف صياد، إضافة إلى مئات الهواة الذين استعادوا نشاطهم،
وكذلك انتعشت أعمال أصحاب ورش صناعة المراكب الخشبية والقوارب الميكانيكية"٠ ونوه صلاح بأن "استقرار الأوضاع الأمنية في الخرطوم بعد طرد قوات ’الدعم السريع‘ أسهم في ارتفاع إنتاج قطاع الأسماك، إذ باتت ولاية النيل الأبيض تنتج نحو 70 في المئة من جملة إنتاج أسماك المياه العذبة داخل السودان، بخلاف عودة الأسواق للعمل في الخرطوم، إلى جانب خزاني سنار والروصيرص".
مطاعم الأسماك تشهد إقبالاً من السودانيين (أ ف ب) وتابع الباحث الاقتصادي "صناعات عدة استعادت نشاطها بعد توقف طويل، منها التركين والفسيخ وصناعة السمك المعلب مثل السردين والتونة والسلمون، علاوة على استئناف الصادرات من مدن الجبلين وكوستي وجبل أولياء وأم درمان وبحيرة النوبة ووادي حلفا". الثروة السمكية ويتمتع السودان بوجود عدد من الأنهار والمجاري المائية التي من أهمها النيل الأزرق والنيل الأبيض،
فضلاً عن بحيرات صغيرة تنتشر في أماكن مختلفة مما جعله غنياً بثروة سمكية ضخمة. ويبلغ المخزون السمكي بحسب تقديرات منظمة الأغذية والزراعة (فاو) نحو 110 آلاف طن من الأسماك، وتعد خزانات الري والبحيرات والسدود والحفائر مناطق صالحة لإنتاج الأسماك. ويقدر مخزون بحيرة خزان جبل أولياء بالعاصمة الخرطوم نحو 1500 طن،
وخزان الروصيرص في ولاية النيل الأزرق 1700 طن، ومعظم الإنتاج يستخدم في صناعة الأسماك المجففة. في حين يقدر مخزون بحيرة خزان سنار بنحو 1000 طن وتمثل صناعة الفسيخ والأسماك المجففة نسبة عالية من الإنتاج، وتملك بحيرة خزان خشم القربة بنهر عطبرة 800 طن،
ويقدر مخزون بحيرة النوبة في الجزء الشمالي من السودان بنحو 500 طن.