على رغم امتلاك السودان واحداً من أكثر القطاعات إنتاجاً للذهب وحجز مكانة متميزة بين الدول العربية والأفريقية المنتجة لهذا المعدن النفيس، إلا أن هناك فجوة كبيرة بين حجم الإنتاج المعلن والعائدات التي تدخل القنوات الرسمية، والتي تتقاطع مع اتساع التهريب الذي يستنزف الاقتصاد وحرمان الدولة من مليارات الدولارات كونه مصدراً للنقد الأجنبي. التقديرات الرسمية تشير إلى فقدان البلاد أكثر من 111 طناً من الذهب سنوياً بقيمة تتجاوز 18 مليار دولار وسط تقارير تفيد بأن نحو 80 في المئة من الإنتاج يقع خارج القنوات الرسمية بسبب اتساع رقعة التهريب.
هذا الواقع، يطرح تساؤلات حول الفجوة بين الإنتاج والإيرادات ومصير مليارات الدولارات من ثروة الذهب، والجهات المستفيدة من خروجها بعيداً من النظام الرسمي، ومدى تأثير ذلك على الاقتصاد في ظل الحرب المستعرة بين الجيش وقوات "الدعم السريع"،
والأزمة الحادة في النقد الأجنبي. في وقت يرى متخصصون في الشأن الاقتصادي أن استعادة السيطرة على الذهب لن تتحقق بالإجراءات الأمنية وحدها، وإنما تتطلب إصلاحاً مؤسسياً شاملاً يبدأ بحصر الإنتاج الحقيقي وتنظيم التعدين الأهلي وتشديد الرقابة على المنافذ الحدودية ورفع كفاءة عمليات التتبع والتعدين، إلى جانب استعادة الاستقرار الأمني الذي يمثل الشرط الأساس لإنهاء الاقتصاد الموازي،
ذلك لأن الذهب سيظل أهم مفاتيح تعافي الاقتصاد السوداني. إقرار وتحديات في السياق، أقر وزير المالية والتخطيط الاقتصادي جبريل إبراهيم "بوجود تحديات كبيرة في إحكام الرقابة على إنتاج الذهب وتوجيه عائداته إلى القنوات الرسمية"، مشيراً إلى أن معالجة هذا الملف تمثل أحد المفاتيح الأساسية لدعم الاقتصاد واستقرار سعر صرف الجنيه.
وأوضح إبراهيم أن "الحكومة تمكنت من حصر نحو 199 طناً من الذهب المنتج، لكنها لم تستطع ضمان دخوله إلى القنوات الرسمية للتصدير". تفيد تقارير بأن نحو 80% من إنتاج الذهب يقع خارج القنوات الرسمية بسبب اتساع رقعة التهريب (أ ف ب) وقال إن "جزءاً كبيراً من الإنتاج جرى تهريبه في حين لا تزال هناك كميات أخرى خارج نطاق الحصر". وأضاف أن "قيمة الذهب الذي جرى حصره تقدر بنحو 26 مليار دولار،
وهو ما يعكس حجم الفاقد الذي يحرم الاقتصاد من موارد كبيرة كان يمكن أن تسهم في مواجهة التحديات الاقتصادية الراهنة". وأشار وزير المالية والتخطيط الاقتصادي إلى أن "الحكومة بدأت باتخاذ إجراءات فعلية لتحسين الرقابة على إنتاج الذهب وتتبع مساراته بهدف إحكام السيطرة على القطاع وضمان دخول عائداته إلى الاقتصاد الرسمي". هدر وأخطار بدوره، أوضح رئيس شعبة مصدري الذهب عبدالمنعم عالم أن "الذهب يمثل مورداً رئيساً للصادرات السودانية،
وكان بالإمكان إسهامه بصورة كبيرة في دعم الاقتصاد وتحسين أوضاع المواطنين المعيشية لو دخلت كامل عائداته إلى القنوات الرسمية". وأشار عالم إلى أنه "بالفعل هناك فجوة بين حجم إنتاج الذهب والعائدات التي تدخل البلاد عبر التصدير الرسمي، إذ إن تقديرات إنتاج الذهب وفق وزير المالية تصل إلى نحو 70 طناً بقيمة تقارب 7 مليارات دولار في حين لا تتجاوز قيمة الذهب المصدر ملياري دولار". ولفت إلى أن "هذه الفجوة تعكس هدراً في إنتاج الذهب وعائداته في بلد يتحمل الأعباء البيئية والصحية المرتبطة بعمليات التعدين،
بما في ذلك استخدام السيانيد والزئبق وما يترتب عليهما من أخطار صحية وتلوث بيئي، بينما تذهب فوائد جزء كبير من الإنتاج إلى جهات ودول أخرى خارج القنوات الرسمية". وحذر رئيس شعبة مصدري الذهب من أن القرارات الاقتصادية الأخيرة قد تؤدي إلى زيادة عمليات التهريب عبر تضييق القنوات الرسمية مع رفع كلفة مدخلات الإنتاج، إلى جانب كلف التعدين،
مما يسهم في تراجع الإنتاج المحلي، وبالتالي انخفاض عائدات الذهب الرسمية. فجوة وأرقام على نحو متصل، أشار المحلل الاقتصادي أحمد بن عمر إلى أن "الفجوة بين إنتاج الذهب وعائداته تحتاج إلى توضيح ثلاثة مؤشرات تتمثل في حصة الذهب المنتج وحصيلة صادراته وإيراداته،
في حين أن الذهب المنتج في السودان لا يتحول بالكامل إلى إيرادات وذلك لأن جزءاً كبيراً من الإنتاج يأتي عبر شركات خاصة ومعدنين تقليديين، وتذهب قيمة الذهب أساساً إلى المنتج بعد خصم تكاليف التعدين والرسوم والضرائب ونصيب الحكومة". وأضاف "الخزانة العامة تحصل على مواردها من الذهب عبر العوائد والضرائب والرسوم المرتبطة بالإنتاج والتصدير، إلى جانب الأرباح الناتجة عن عمليات شراء الذهب عندما يتدخل بنك السودان".
وتابع بن عمر "تسجيل الذهب كصادر رسمي لا يعني بالضرورة دخول كامل قيمته إلى وزارة المالية، إذ يمكن أن تعود حصيلة الصادر إلى شركة التعدين أو المصرف أو تستخدم في تمويل واردات أو تباع داخل الجهاز المصرفي وفق الضوابط المعمول بها. فالمشكلة لا تظهر بصورة أكبر عند مقارنة حجم الإنتاج المعلن بالكميات التي تظهر في سجلات الصادرات الرسمية". اقرأ المزيد يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field) وواصل "الجهات المتخصصة في عام 2025 أعلنت عن إنتاج 70.15 طن من الذهب بينما أظهرت بيانات بنك السودان تصدير نحو 14.7 طن فقط بعائدات بلغت 1.536 مليار دولار،
لا سيما أن الصادرات الرسمية غطت نحو 21 في المئة من الإنتاج". ومضى المحلل الاقتصادي في القول "تقديرات فقدان أكثر من 100 طن من الذهب سنوياً يحتاج إلى قدر كبير من الحذر ولا يمكن عده رقماً نهائياً، ما لم تحدد السنة والمنهجية التي تبنى عليها التقدير، فالوصول إلى تقديرات دقيقة يشمل سجلات المناجم ومصانع المعالجة والأسواق وكميات الزئبق والسيانيد والوقود المستخدم في التعدين،
فضلاً عن بيانات بنك السودان والجمارك وبيانات الدول المستوردة، وحركة الذهب عبر المطارات والمنافذ البرية، علاوة على دور الأقمار الاصطناعية والمسوحات الميدانية". مسارات وخسائر ولفت بن عمر إلى أن "الذهب بعد استخراجه يسلك مسارات متعددة،
إذ يُشترى جزء منه ويصدر عبر القنوات الرسمية، فيما يحتفظ التجار والأفراد بجزء آخر داخل البلاد في ظل تراجع قيمة الجنيه، وارتفاع حال عدم اليقين الاقتصادي، أما الجزء الآخر فيخرج عبر التهريب ولا يظهر في سجلات الصادرات الرسمية،
وبالتالي لا تتحول قيمته إلى نقد أجنبي تدخل النظام المصرفي". ويرى أن "الصراع المسلح في البلاد، أسهم في توسيع اقتصاد غير رسمي عبر مسارات عدة في ظل انهيار الرقابة وخروج مناجم الذهب والأسواق ومنافذ حدودية عن السيطرة، فضلاً عن حاجة أطراف الحرب إلى تمويل سريع لتغذية الصراع،
إلى جانب انتقال التجارة من الطرق الرسمية إلى مسارات برية عبر الحدود المفتوحة مع دول الجوار، مع تراجع قيمة الجنيه وتعطل الجهاز المصرفي، مما دفع المواطنين والتجار إلى استخدام الذهب وسيلة لحفظ القيمة". وحذر من أن خسارة الذهب عبر التهريب لا تعني فقط فقدان الدولة من العوائد،
بل فقدان الاقتصاد حصائل الصادرات من العملات الأجنبية، لا سيما أن تصدير الذهب رسمياً يوفر للجهاز المصرفي موارد من العملات الأجنبية يمكن استخدامها في تمويل الواردات، مما يؤدي إلى اتساع الفجوة بين الطلب والعرض من العملات الأجنبية وارتفاع سعر الدولار وانخفاض قيمة الجنيه. وخلص المحلل الاقتصادي إلى أن "الحل الأكثر استدامة يتمثل في جعل القنوات الرسمية الخيار الاقتصادي الأمثل أمام المنتجين والتجار من خلال سعر عادل وسداد سريع وإجراءات بسيطة وسياسات مستقرة بالتزامن مع الرقابة الرقمية والأمنية،
حتى تتحول هذه الثروة من مصدر للفقد إلى مورد حقيقي يدعم استقرار السودان واقتصاده".