لم تكن ولاية جنوب كردفان، الممتدة على التخوم الفاصلة بين أقاليم كردفان ودارفور وحدود دولة جنوب السودان، بمنأى عن دوامات العنف التي طبعت تاريخ السودان الحديث. فمنذ عقود،
ظلت المنطقة إحدى أكثر بؤر النزاع استعصاء على التسويات السياسية، بفعل تراكمات تاريخية، وتعقيدات إثنية، وجغرافيا جبلية وعرة تضم عشرات الجبال المتراصة وسط سهول السافنا،
وفرت للحركات المسلحة بيئة مواتية لإدامة القتال وإعادة التموضع، فكلما خفتت جبهة اشتعلت أخرى. ومع اندلاع الحرب بين الجيش السوداني وقوات "الدعم السريع" في أبريل (نيسان) 2023، أخذت جنوب كردفان تكتسب تدريجاً موقعاً متقدماً في الحسابات العسكرية للطرفين،
مع اتساع رقعة المواجهات خارج مراكزها التقليدية وامتدادها نحو أقاليم ظلت لعقود مسرحاً للحروب الأهلية. في قلب هذه الجغرافيا تقع بلدة كاودا الجبلية، الواقعة في جنوب الولاية، والتي تحولت عبر سنوات الصراع إلى المركز السياسي والعسكري الأبرز لـ"الحركة الشعبية لتحرير السودان - شمال" بقيادة عبدالعزيز الحلو،
وإحدى أهم قواعدها التنظيمية واللوجستية. وقد أكسبها موقعها، وسط تضاريس معقدة وعلى تماس مع مسارات تربط جنوب كردفان بولايات كردفان ودارفور وبالحدود مع دولة جنوب السودان، أهمية استراتيجية جعلتها حاضرة باستمرار في حسابات الحرب والسلم،
كما جعلت أي تصعيد يطاولها يتجاوز حدودها المحلية ليعكس تحولات أوسع في موازين القوة داخل السودان. يقطن جبال النوبة عشرات المجموعات الإثنية واللغوية، تتقدمها الأتورو، والشوايا،
والمورو، والكواليب، والأما، والتيرا،
والكتلا، والنجيمانغ، والداجو، وغيرها،
إلى جانب قبائل عربية أبرزها المسيرية والحوازمة، وهو تنوع أسهم في تشكيل هوية اجتماعية وثقافية معقدة، كما جعل المنطقة عرضة لتقاطعات النزاعات المحلية والسياسية عبر عقود. وفي ظل التطورات التي شهدتها المنطقة خلال هذا الشهر،
عادت كاودا إلى واجهة المشهد بوصفها إحدى أكثر نقاط التماس حساسية في الحرب السودانية، في وقت يتداخل الصراع مع النزاعات التاريخية في جنوب كردفان، بما يفتح الباب أمام انتقال مركز الثقل العسكري إلى جبهة جديدة تتشابك فيها اعتبارات الجغرافيا والموارد والتحالفات المسلحة. تصاعد التوترات تصاعدت التوترات في مدينة كاودا معقل "الحركة الشعبية"،
بعدما أحكمت مجموعة محلية منشقة، تنتمي في معظمها إلى مكون الأتورو، سيطرتها على أجزاء واسعة من المدينة، بما في ذلك مقار الإدارة المحلية،
إثر نزاع حدودي مع مكون الشوايا سرعان ما انزلق إلى مواجهات مسلحة وحرائق واسعة النطاق، مما يعكس انقساماً عميقاً داخل البنية السياسية والعسكرية للحركة في أهم معاقلها التاريخية. بدأت الأزمة مع خلاف على ترسيم الحدود الإدارية بين القبلتين في منطقة دبي، بعدما رفضت الأتورو اتفاقاً أُقر خلال "مؤتمر هيبان" عام 2022،
وأزال بعض أفرادها علامات الحدود، قبل أن يرفض ضباط ومقاتلون من القبيلة تنفيذ أوامر القيادة لتتطور الأزمة مما فجر اشتباكات في مارس (آذار) الماضي. وتصاعد النزاع في مايو (أيار) إلى مواجهات بين الحركة الشعبية وقبيلة الأتورو، عقب إعلان الحركة ملاحقة من وصفتهم بـ"المتمردين"،
وأسفرت المعارك عن مقتل ما لا يقل عن 61 شخصاً، بينهم نساء وأطفال، وسط اتهامات بانتهاكات واسعة ضد المدنيين ونزوح جماعي للسكان. مع اندلاع الحرب أخذت جنوب كردفان تكتسب تدريجاً موقعاً متقدماً في الحسابات العسكرية للطرفين (غيتي) وبحسب مصادر محلية،
طردت المجموعة الحكومة المحلية وأضرمت النار في منازل عدد من كبار المسؤولين، بينهم سكرتير الحركة الشعبية ووزير الخارجية في الإدارة المدنية عمار أمون دلدوم، ومنزل الحاكم المناوب لإقليم جبال النوبة داؤود أشعياء، وتعرض المقر الحكومي الرئيس وكنائس ومقار لمنظمات محلية للتخريب والإحراق.
وأخفقت جميع الوساطات، بما فيها مبادرة قادتها شخصيات من جنوب السودان، في احتواء الأزمة أو التوصل إلى تسوية في شأن النزاع الحدودي. في المقابل،
رفض مك قبيلة الأتورو، كوكو الدقيل دنجلا اتهامات التمرد، مؤكداً أن أبناء قبيلته لم ينقلبوا على الحركة الشعبية، وإنما يدافعون عن أراضيهم التاريخية.
وأبدى خشيته من وقوف عناصر مرتبطة بالنظام السابق أو مجموعات وافدة من خارج جبال النوبة وراء أعمال القتل والحرق والتهجير، معتبراً أن ما يجري يحمل سمات الانتهاكات التي عرفتها المنطقة خلال سنوات الحرب. كذلك اتهم أطرافاً داخل الحركة بالمسؤولية عن بعض الحوادث الأمنية، بينها مقتل نائب راعي الكنيسة الكاثوليكية القس يوحنا الأمين ناروم واثنين من مرافقيه.
في حين يرى مراقبون أن الأزمة تجاوزت كونها نزاعاً قبلياً على الحدود لتتحول إلى اختبار لتماسك الحركة الشعبية وقدرتها على الحفاظ على سيطرتها السياسية والعسكرية في كاودا، التي ظلت لعقود مركز ثقل مشروعها في جبال النوبة. تراكمات تاريخية شكلت جبال النوبة، إحدى أكثر بؤر الصراع السوداني تعقيداً،
ليس فقط بسبب تضاريسها الوعرة التي تضم نحو 99 جبلاً، وإنما أيضاً لتراكمات تاريخية وسياسية جعلتها ساحة دائمة للتنافس بين المركز والهامش. وتعود الجذور الأولى للأزمة إلى السنوات التي سبقت استقلال السودان، حين اندلع تمرد توريت في أغسطس (آب) 1955،
الذي تطور لاحقاً إلى حركة "أنيا نيا"، قبل أن تنتهي الحرب الأهلية الأولى باتفاقية أديس أبابا عام 1972. غير أن النزاع عاد بصورة أشد عام 1983 مع تأسيس جون قرنق ورفاقه "الحركة الشعبية لتحرير السودان"، التي تبنت نموذج "الحرب الثورية" المستلهم من أفكار الزعيم الصيني ماو تسي تونغ،
والقائم على استنزاف الخصم عبر حرب العصابات وتعبئة المجتمعات المحلية سياسياً وعسكرياً. اقرأ المزيد يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field) انخرط أبناء جبال النوبة، وفي مقدمهم عبدالعزيز الحلو ومالك عقار، في مشروع الحركة،
مدفوعين بمطالب إنهاء التهميش السياسي والتنموي، إلى جانب الإرث التاريخي المرتبط بحملات الاسترقاق والغزو خلال العهد التركي - المصري، واستمرار ضعف التنمية على رغم الثروات النفطية في الإقليم. وبعد "اتفاقية نيفاشا" عام 2005،
منحت المنطقة حق "المشورة الشعبية" بدلاً من الاستفتاء، إلا أن تعثر تنفيذها ثم انفصال جنوب السودان عام 2011 أبقى جنوب كردفان خارج تسوية الصراع، لتنشأ "الحركة الشعبية - شمال" بقيادة عبدالعزيز الحلو، الذي رسخ من كاودا مركزاً سياسياً وعسكرياً للحركة،
ومنها أعاد بناء مؤسساتها وإدارة عملياتها العسكرية. ومع اندلاع الحرب الحالية، انتقلت جبال النوبة من موقع المراقب إلى لاعب مباشر، خصوصاً بعد تقاطع مصالح جناح الحلو مع قوات "الدعم السريع"،
في تحالف فرضته حسابات الميدان أكثر من وحدة المشروع السياسي. واليوم، لم تعد معارك جنوب كردفان تدور حول السيطرة على المرتفعات فحسب، بل حول إعادة رسم موازين القوة في السودان،
حيث تمنح كاودا ومرتفعات النوبة أفضلية عملياتية، وتتحول المنطقة إلى محور استراتيجي تتشابك فيه طرق الإمداد، والموارد، والهويات،
بما يجعل مستقبلها أحد المفاتيح الحاسمة لأية تسوية سياسية أو عسكرية مقبلة، إذ لم تعد أزمة جبال النوبة نزاعاً محلياً، بل إحدى النقاط المتجذرة لمطالب إعادة تشكيل الدولة السودانية. قلب التوازنات تكتسب التطورات في كاودا وجبال النوبة أهمية تتجاوز حدود المواجهات المحلية،
لأن المنطقة لا تمثل مجرد جيب جغرافي خارج سيطرة الدولة، بل تشكل منذ سنوات مركز الثقل السياسي والعسكري لـ"الحركة الشعبية لتحرير السودان - شمال"، حيث تدير مؤسسات مدنية وقضائية وتعليمية وإدارية موازية، بما يجعلها أقرب إلى "عاصمة أمر واقع" لمشروع سياسي ظل يسعى إلى ترسيخ نموذج حكم مستقل عن المركز.
ومن هذا المنظور، فإن أي اضطراب داخل كاودا لا يعني فقط فقدان السيطرة على مدينة، بل يمس شرعية نموذج الإدارة الذي بنته الحركة طوال أكثر من عقد، ويهز صورتها باعتبارها القوة الأكثر تماسكاً بين الحركات المسلحة السودانية.
وتفسر هذه المكانة سبب بقاء جبال النوبة إحدى أكثر ساحات الصراع استعصاءً في السودان منذ اندلاع الحرب الأهلية الثانية، مروراً بحرب دارفور، وصولاً إلى الحرب الدائرة بين الجيش وقوات "الدعم السريع". فالجغرافيا هنا ليست مجرد مسرح للقتال،
بل جزء من معادلة القوة نفسها، إذ تمنح السلاسل الجبلية المتداخلة، والكهوف، وضيق الممرات،
وندرة طرق الاقتحام، أفضلية دفاعية تجعل السيطرة العسكرية الكاملة مكلفة وصعبة، فيما توفر للمقاتلين قدرة استثنائية على المناورة وإعادة الانتشار واستنزاف الخصوم، لكن الأهمية الحقيقية لجبال النوبة لا تكمن في تحصينها الطبيعي وحده،
بل في أنها تمثل أحد آخر الفضاءات التي حافظت فيها الحركات المسلحة على بنية مؤسسية متماسكة، الأمر الذي حولها من قاعدة خلفية للعمليات إلى مركز لإنتاج السلطة وإدارة السكان. تكتسب التوترات الحالية في كاودا أهمية تتجاوز حدود المواجهات المحلية (غيتي) وتكتسب الأزمة الحالية بعداً أكثر تعقيداً لأنها تكشف أن أكبر التهديدات التي تواجه الحركة قد لا تأتي من خصومها العسكريين بقدر ما تنبع من داخل حاضنتها الاجتماعية نفسها. فمعارضة قطاعات من أبناء الأتورو للتحالف التكتيكي الذي أبرمته الحركة مع قوات "الدعم السريع"،
في ظل اتهامات تتعلق بالتعدين والتجنيد داخل أراضيهم، تعكس تصاعد التناقض بين مقتضيات البقاء العسكري وحسابات الشرعية المحلية. وهذه معضلة واجهتها حركات تمرد عديدة، إذ يصبح الحفاظ على التحالفات الخارجية أكثر كلفة عندما ينظر إليها داخلياً بوصفها مساساً بمصالح المجتمعات التي تستند إليها الحركة.
ومنح موقع جنوب كردفان عند نقطة التقاء دارفور وكردفان والحدود مع جنوب السودان وظيفة استراتيجية تتجاوز حدودها الإدارية، فهي تمثل عقدة عبور للمقاتلين والإمدادات، وحلقة وصل بين مسارح العمليات المختلفة، مما يجعل استقرارها أو اضطرابها مؤثراً كونها في قلب توازنات الحرب.
وإذا كانت الجبال قد وفرت للحركة لعقود حصانة عسكرية أمام خصومها، فإن الأحداث الأخيرة تشير إلى أن التحصينات الطبيعية لا تكفي لحماية أي مشروع سياسي عندما تبدأ التصدعات من داخله، إذ تصبح أزمة الشرعية والانقسام المجتمعي أكثر خطراً من أي هجوم عسكري خارجي. سيناريوهات محتملة تتوقف المسارات المحتملة في كاودا وجبال النوبة على تفاعل ثلاثة متغيرات رئيسة: قدرة "الحركة الشعبية - شمال" على احتواء انقساماتها الداخلية، واتجاه الحرب بين الجيش السوداني وقوات "الدعم السريع"،
وموقف المجتمعات المحلية التي ظلت تمثل الحاضنة الأساسية للحركة منذ ثمانينيات القرن الماضي. وفي ضوء هذه المتغيرات، تبدو المنطقة مقبلة على مرحلة تتجاوز المواجهة العسكرية التقليدية إلى صراع على الشرعية والسيطرة الاجتماعية، وهو تحول غالباً ما يكون أكثر حسماً من موازين القوة في الميدان.
السيناريو الأول، وهو الأكثر ترجيحاً على المدى القريب، يتمثل في نجاح قيادة عبدالعزيز الحلو في احتواء التمرد عبر مزيج من الضغط العسكري والتسويات القبلية وإعادة توزيع النفوذ داخل مؤسسات الحركة. إلا أن مثل هذه التسوية،
حتى إذا تحققت، لن تعني استعادة الوضع السابق، إذ ستترك ندوباً عميقة في بنية الحركة وتحد من قدرتها على تقديم نفسها باعتبارها تنظيماً متماسكاً فوق الانقسامات المحلية. أما السيناريو الثاني،
فيقوم على تحول الانقسام الحالي إلى حال استنزاف ممتدة، تتآكل خلالها سلطة الحركة تدريجاً داخل معقلها الرئيس. وتكمن خطورة هذا المسار في أنه لا يفضي بالضرورة إلى انهيار سريع، بل إلى تعدد مراكز النفوذ وظهور قوى محلية مسلحة تتنافس على الأرض والموارد وشرعية التمثيل،
بما يحول كاودا من مركز قيادة موحد إلى ساحة تنافس بين سلطات متوازية، وهو نمط شهدته نزاعات أفريقية عدة عندما بدأت الحركات المسلحة تفقد احتكارها للسلطة داخل مناطق نفوذها. ويظل السيناريو الثالث، وإن كان أقل احتمالاً في المدى المنظور،
الأكثر تأثيراً استراتيجياً، ويتمثل في سعي أطراف الحرب السودانية إلى استثمار الانقسام الداخلي في جبال النوبة لإعادة رسم خطوط السيطرة في جنوب كردفان. فكلما ضعفت قبضة الحركة على كاودا، ازدادت احتمالات تحول الإقليم من جبهة شبه مستقرة إلى ساحة مواجهة مفتوحة تتقاطع فيها مصالح الجيش و"الدعم السريع" والقوى المحلية،
بما يوسع رقعة الحرب غرباً وجنوباً. وفي جميع الأحوال، تبدو كاودا أمام اختبار يختلف عن كل ما واجهته خلال العقود الماضية. فالحركة الشعبية اعتادت الدفاع عن معقلها في مواجهة خصوم خارجيين،
أما اليوم فهي تواجه تحدياً يمس تماسك حاضنتها الاجتماعية نفسها. ولهذا، فإن مستقبل جبال النوبة لن يتحدد فقط بمن يسيطر على المرتفعات أو يدير خطوط الإمداد، بل بمن ينجح في الحفاظ على العقد السياسي والاجتماعي الذي منح الحركة شرعيتها طوال أربعة عقود.
وإذا تآكل هذا العقد، فإن التحصينات الطبيعية التي جعلت المنطقة عصية على الحسم العسكري قد تتحول، على نحو متناقض، إلى عامل يطيل أمد الانقسام ويجعل إعادة بناء سلطة موحدة أكثر صعوبة،
حتى في حال تراجع وتيرة القتال.