يلقي وضع سوق السندات البريطانية بظلاله على آفاق رئيس الوزراء المحتمل آندي بيرنهام، حيث يرى محللون أن ارتفاع تكاليف الاقتراض وضيق الهامش المالي قد يحدان من قدرته على تنفيذ أجندته الاقتصادية. ورغم تراجع العائدات مؤخراً بدعم من انخفاض أسعار النفط عقب التهدئة بين الولايات المتحدة وإيران، لا تزال عوائد السندات الحكومية البريطانية لأجل عشر سنوات الأعلى بين دول مجموعة السبع.وكان بيرنهام قد سعى إلى طمأنة المستثمرين بالتعهد بالالتزام بالقواعد المالية الحالية للحكومة،
في محاولة لتبديد المخاوف من توسع الإنفاق العام. لكن رئيس الوزراء الحالي كير ستارمر ترك أمامه فجوة تمويلية تُقدّر بنحو 4.7 مليار جنيه إسترليني (6.27 مليار دولار) في موازنة الدفاع، مشيراً إلى إمكانية استخدام الهامش المتاح ضمن القواعد المالية لسد هذا العجز.ضغوط هيكلية مستمرةلا تزال عوائد السندات مرتفعة مقارنة بدول السبع، مدفوعة باستمرار الضغوط التضخمية في بريطانيا التي أبقت أسعار الفائدة عند مستويات مرتفعة،
بالإضافة إلى ارتفاع الدين العام واستمرار تأثير أزمة "الموازنة المصغرة" التي طرحتها حكومة ليز تراس عام 2022. وقد انخفضت عوائد السندات في منتصف مايو عقب تعهد بيرنهام بالالتزام بالقواعد المالية، لكن العامل الرئيس كان انحسار المخاوف الجيوسياسية وتراجع تكاليف الاقتراض عالمياً.الأنظار إلى وزير الماليةيرى المستثمرون أن أحد أهم العوامل التي ستحدد اتجاه السوق سيكون اختيار بيرنهام لوزير المالية، وما إذا كان سيحافظ على القواعد المالية الحالية أو يمنح نفسه مرونة أكبر في الإنفاق.
ويقول مدير المحافظ الاستثمارية نيل ميهتا إن الأسواق ستبدأ التركيز بقوة على السياسة المالية مع عودة الحكومة إلى العمل في سبتمبر، حيث ستزداد التكهنات بشأن أي تغييرات محتملة، وهو ما قد يعيد التوتر إلى سوق السندات.اقتصاد حساس لأسعار الطاقةيواجه بيرنهام اقتصاداً شديد الحساسية لصدمات الطاقة؛ إذ تعتمد بريطانيا على استيرادها وتملك طاقات تخزين محدودة، كما يعتمد تسعير الكهرباء بدرجة كبيرة على أسعار الغاز.
ويقول استراتيجي أسعار الفائدة مصطفى أوغوز جايلان إن السندات البريطانية طويلة الأجل أكثر حساسية للتضخم، ويرجع ذلك جزئياً إلى أن نحو 25% من الدين الحكومي البريطاني مرتبط بمعدلات التضخم. وقد تجاوزت مدفوعات فوائد الدين التوقعات في مايو وحده بنحو 3.3 مليار جنيه إسترليني، نتيجة ارتفاع التضخم وزيادة تكلفة السندات المرتبطة به.ضغوط هيكلية إضافيةلا تزال الحكومة البريطانية تتحمل مستويات مرتفعة من الاقتراض بعد الإنفاق الضخم خلال جائحة كوفيد-19،
ثم أزمة الطاقة التي أعقبت الحرب في أوكرانيا، في وقت يواصل فيه بنك إنجلترا بيع السندات التي اشتراها خلال الجائحة، مما يزيد المعروض في السوق ويضغط على الأسعار. وتقول مديرة محافظ أسعار الفائدة العالمية كيم كروفورد إن ارتفاع عوائد السندات أصبح في صلب النقاش السياسي،
مما يعكس إدراكاً متزايداً لدى صناع القرار بأن القيود المفروضة على الموازنة أصبحت أكثر صرامة.انفراجة مؤقتة... لكن التحديات باقيةيرى محللون أن التهدئة بين الولايات المتحدة وإيران أسهمت في تراجع أسعار النفط إلى مستويات ما قبل الحرب، مما دفع الأسواق إلى خفض رهاناتها على مزيد من رفع أسعار الفائدة. ويقول استراتيجي الدخل الثابت جيمس بيلسون إن التوقعات لا تزال إيجابية لسوق السندات البريطانية،
حيث تشير معظم المؤشرات إلى أن السياسة النقدية تتجه نحو مزيد من التيسير. ومع ذلك، يؤكد المحللون أن التحديات المالية الأساسية لن تختفي، إذ يُتوقع أن تنفق بريطانيا نحو 9% من إيراداتها الحكومية على خدمة الدين،
مع وصول مدفوعات الفوائد إلى نحو 109 مليارات جنيه إسترليني خلال السنة المالية 2026-2027، مقارنة بنحو 68 ملياراً لموازنة الدفاع، وهو ما يبرز حجم المفاضلات الصعبة التي ستواجه أي حكومة جديدة. بيرنهام يشير بيده في أثناء إلقائه خطاباً بمتحف تاريخ الشعب في مانشستر بإنجلترا في 29 يونيو (أ.ب)