أثبت القطاع المصرفي السعودي مجدداً متانة أساسياته المالية وقدرته العالية على التكيف مع التحديات الجيوسياسية والتقلبات العالمية، مدعوماً بزخم قوي في التمويل والإقراض واستمرار مشاريع رؤية 2030. في المقابل، بدأت المصارف تواجه مرحلة جديدة تتسم بتراجع أسعار الفائدة،

واشتداد المنافسة على الودائع، وارتفاع تكاليف التشغيل، مما يفرض ضغوطاً متزايدة على الهوامش والربحية.ومع ذلك، تشير التوقعات إلى أن قوة جودة الأصول،

وتحسن السيولة، واستمرار نمو الائتمان وتنويع مصادر الدخل ستمنح البنوك هامشاً أوسع للحفاظ على أدائها خلال الفترة المقبلة. فقد أظهرت البيانات تحولاً في اتجاهات التمويل والسيولة خلال الربع الأول من العام؛ إذ نمت ودائع العملاء بنسبة 3.9% متجاوزة نمو صافي التمويل الذي بلغ 1.6%، بعد فصول عدة كانت فيها وتيرة الإقراض تفوق نمو الودائع.

وقد أسهم هذا التحول في خفض نسبة القروض إلى الودائع إلى 104.1% مقارنة بـ106.5% في الربع السابق، في مؤشر على تحسن مستويات السيولة وتراجع الضغوط التمويلية.ويرى محللون أن متانة الإقراض المؤسسي تعود إلى دوافعه الهيكلية والاستثمارية أكثر من كونها دورية، مع استمرار تنفيذ مشاريع رؤية السعودية 2030 وقوة أساسيات القطاع المصرفي. ويُتوقع أن يكون التباطؤ الذي شهده نمو القروض مع تصاعد التوترات الجيوسياسية في نهاية الربع الأول مؤقتاً،

على أن يواصل الاستثمار المدعوم من الدولة لعب دور محوري في استقرار الطلب على التمويل، مع تراجع آثار هذه الضغوط تدريجياً خلال الربع الثالث ما لم تشهد المنطقة تصعيداً جديداً.المنافسة على الودائع منخفضة التكلفةرغم تحسن مستويات السيولة، أشارت البيانات إلى أن النمو القوي في الودائع جاء مدفوعاً إلى حد كبير بارتفاع الودائع لأجل، في ظل احتدام المنافسة بين البنوك على استقطاب مصادر التمويل.

ويرى خبراء أن المرحلة المقبلة ستشهد تركيزاً أكبر على الحفاظ على ودائع الحسابات الجارية وحسابات الادخار (CASA)، بصفتها المصدر الأكثر استقراراً والأقل تكلفة للتمويل. ومن المتوقع أن تكون قدرة البنوك على حماية هذه الودائع أحد أبرز محددات الربحية خلال الأشهر الـ12 إلى الـ24 المقبلة، إلى جانب المحافظة على جودة الأصول وتعزيز الإيرادات من الرسوم والعمولات للحد من تأثير تراجع هوامش الفائدة.معادلة الربحية وهامش الفائدةعلى صعيد الربحية الإجمالية المجمعة،

أظهرت المؤشرات أن صافي أرباح القطاع حقق نمواً بنسبة 1.2% على أساس ربع سنوي، مقارنة بنمو لم يتجاوز 0.2% في الربع الأخير من العام الماضي. هذا الاستقرار في الربحية تزامن مع محافظة البنوك على معدل عائد قوي على الأصول استقر عند 2.0%، في حين سجل معدل العائد على الأصول المرجحة بالمخاطر ثباتاً عند 2.7%،

مما يعكس كفاءة البنوك في إدارة مخاطر محافظها التمويلية رغم التحديات المحيطة.ويشير المحللون إلى أن القطاع المصرفي السعودي دخل مرحلة جديدة مع عودة أسعار الفائدة المرجعية إلى مستوياتها الطبيعية، مما بدأ يفرض ضغوطاً تدريجية على هوامش الربحية لدى عدد من البنوك. فقد سجلت ستة من أكبر عشرة بنوك مدرجة انكماشاً في هوامش صافي الفائدة، إلا أن القطاع ككل حافظ على استقرار هامش صافي الفائدة (NIM) عند 2.84%،

مدعوماً بانخفاض تكلفة التمويل إلى 3.2%، مما عوض جزئياً تراجع العائد على الائتمان إلى 7.8%. ومن المتوقع أن يكون نمو الائتمان المدعوم بمشاريع رؤية 2030 المحرك الأبرز والأكثر تأثيراً على الأرباح الإجمالية للعام الحالي مقارنة بتوسع الهوامش.ولحماية العوائد الاستثمارية في النصف الثاني من العام بعد تراجع العائد على حقوق المساهمين طفيفاً إلى 14.7%، تتجه الاستراتيجية المصرفية الحالية نحو تحسين مزيج الأصول والتركيز على القطاعات ذات العوائد الجاذبة المعدلة حسب المخاطر،

عوضاً عن الركض وراء تعظيم حجم الإقراض المجرد، بالتوازي مع تنويع مصادر الأرباح وزيادة الإيرادات غير المعتمدة على الفوائد.ارتفاع السيولة لا يعني اكتنازهابينما بلغت نسبة تغطية السيولة للقطاع نحو 172%، وارتفعت لدى أحد البنوك الكبرى إلى 312%، يستبعد المحللون أن يكون ذلك مؤشراً على اكتناز السيولة بدافع الحذر من التطورات الجيوسياسية،

مؤكدين أن هذه المستويات تعكس مزيجاً من الاعتبارات الاستراتيجية المرتبطة بإدارة الميزانية العمومية وظروف السوق الخاصة بكل بنك، أكثر مما تعكس توجهاً دفاعياً عاماً داخل القطاع.جودة الائتمان وتراجع تكلفة المخاطرمن أبرز النقاط التي عكست قوة الحصانة المالية للقطاع في الربع الأول هي القفزة النوعية في جودة الأصول المصرفية؛ إذ استقرت نسبة القروض غير العاملة (NPL) عند مستواها المتدني البالغ 0.9%، مما يعكس استمرار جودة المحافظ الائتمانية وتراجع الحاجة إلى تكوين مخصصات جديدة. وكان المحرك الأكبر لدعم صافي الأرباح خلال هذا الربع هو الانخفاض الحاد في تكلفة المخاطر لتصل إلى 0.15% فقط مقارنة بـ0.40% في الربع السابق،

مدفوعة بعمليات استرداد لبعض المحافظ الائتمانية.ورغم هذا الانخفاض في التكاليف الائتمانية المباشرة، واصلت البنوك السعودية سياستها التحوطية الصارمة، حيث عززت نسبة تغطية القروض المتعثرة لتصل إلى 162.6%، مما يوفر مصدات تكميلية متينة ومستدامة لحماية الميزانيات العمومية ضد أي تقلبات غير متوقعة.وفي ملمح يعكس النظرة الإيجابية لأسواق المال تجاه القطاع،

كشفت البيانات أن تقييمات البنوك السعودية بقيت جاذبة ومحفزة للمستثمرين مع نهاية الربع الأول، حيث جرى تداول أسهم القطاع عند مكرر ربحية يبلغ 10.8 ضعف (P/E)، وهو المؤشر الذي يعكس انخفاض مخاطر الاستثمار وسرعة العائد عبر قياس العلاقة بين سعر السهم والأرباح السنوية للبنك، مما يعني أن المستثمر قادر على استرداد قيمة استثماره خلال نحو 11 عاماً فقط بناءً على مستويات الربحية الحالية.

وتعززت هذه الجاذبية بتداول الأسهم عند مكرر قيمة دفترية ملموسة يبلغ 1.6 ضعف (P/TBV)، وهو المقياس الذي يقارن القيمة السوقية للبنك بأصوله الحقيقية الملموسة بعد استبعاد الأصول غير المادية، مما يظهر أن الأسواق تقيّم المصارف بقيمة آمنة تمنح المستثمرين هامش أمان عالياً، وتؤكد متانة المراكز المالية وقوة القيمة الرأسمالية للبنوك السعودية في مواجهة التقلبات.تحديات ناشئة واستثمارات تؤمن ربحية الغدرغم المصدات التحوطية والمؤشرات الإيجابية،

رصدت البيانات ملامح تحديات تشغيلية بدأت تفرض ظلالها على الأداء؛ إذ تراجع الدخل التشغيلي المجمع للبنوك بنسبة 2.3% ليبلغ 40.4 مليار ريال، متأثراً بالهبوط الحاد في الدخل غير الفوائدي بنسبة 13.2%، مما ضغط على الإيرادات وغطى على النمو المتواضع لصافي دخل الفوائد. وتتمثل أبرز الضغوط الحالية في تصاعد مصاريف التشغيل التي رفعت معدل التكلفة إلى الدخل إلى 30.1%،

بالتزامن مع اشتداد المنافسة بين المصارف على استقطاب السيولة عبر الودائع لأجل عالية التكلفة، فضلاً عن تحديات إعادة تسعير القروض مع بدء تراجع أسعار الفائدة المرجعية، مما انعكس في انخفاض العائد على الائتمان إلى 7.8%.ويضع المحللون هذه الأرقام التشغيلية في إطارها الاستراتيجي، موضحين أن الارتفاع المشهود في المصروفات يعود بالأساس إلى الإنفاق الاستثماري الثقيل والمتواصل للبنوك في البنية التحتية التكنولوجية،

والتحول الرقمي، وتطبيقات الذكاء الاصطناعي. وتُمثل هذه الزيادة استثمارات بعيدة المدى أكثر من كونها ضغوطاً تشغيلية عابرة، إذ يُتوقع أن تسهم بقوة في رفع الإنتاجية،

وتعزيز الكفاءة التشغيلية، وتحسين القدرة التنافسية للبنوك السعودية على المدى المتوسط والطويل، مما يحول استثمارات اليوم إلى محركات رئيسية لربحية البنوك في السنوات المقبلة.وفي المحصلة، تشير المؤشرات إلى أن البنوك السعودية تدخل مرحلة جديدة يتراجع فيها أثر أسعار الفائدة بصفتها محركاً رئيساً للأرباح،

مقابل تنامي دور جودة الأصول، وكفاءة التشغيل، والاستثمار في التقنية، وتنويع مصادر الدخل في دعم الربحية واستدامة النمو.

صورة جوية لمركز الملك عبد الله المالي (صندوق الاستثمارات العامة)